بقلم: (حسين شكران العقيلي)
في المجتمعات التي تتطلع إلى بناء (نهضة معرفية) حقيقية، يُفترض أن يكون (الكتاب) هو المعيار الأسمى للتقدير، وأن يُنظر إلى (المؤلفين) باعتبارهم (بناة الوعي) وحملة الفكر. غير أنّ (الواقع) كثيراً ما يكشف عن (مفارقة مؤلمة) حيث يُقصى (الجهد العلمي الأصيل) تحت ذرائع شكلية، ويُحتفى بأعمال أخرى لمجرد أن أصحابها يمتلكون (موقعاً إدارياً) أو (علاقات نافذة).
لقد عايشتُ هذه (المفارقة) حين قدّمتُ (كتباً) تحمل جهداً بحثياً أصيلاً، تجمع بين (الفقه المقارن) والرؤية (الاجتماعية والقانونية)، فجاء الرد بأن هذه الكتب (حوزوية) أو (دينية)، وكأن التصنيف وحده يكفي لإقصاء (القيمة العلمية). وفي المقابل، يُرفع كتاب آخر ويُبارك له علناً لأنه صادر عن (مدير) أو (مسؤول)، دون أن يُطرح السؤال الجوهري: ما معيار (الإنصاف العلمي)؟
إنّ هذه (الظاهرة) ليست مجرد (حادثة شخصية)، بل هي انعكاس لـ(خلل ثقافي) أوسع، حيث تُقدَّم (العلاقات الاجتماعية) على حساب (القيمة الفكرية)، ويُختزل (الكتاب) في عنوانه أو في هوية مؤلفه، لا في محتواه ولا في أصالته. وهذا يضعنا أمام (سؤال وجودي) للثقافة العراقية: هل نريد (مكتبات ثرية بالمعرفة)، أم نريد (رفوفاً مزدحمة) بعناوين تُنتجها (العلاقات)؟
إنصاف (المؤلفين) لا يعني فقط الاعتراف بجهودهم، بل يعني أيضاً حماية (المجتمع) من (التهميش المعرفي). فحين يُقصى (الباحثون الحقيقيون)، يخسر المجتمع فرصة تطوير أدواته (الفكرية والقانونية والاجتماعية). وحين يُحتفى بـ(الكتاب) على أساس (الموقع) لا على أساس (القيمة)، تتحول (الثقافة) إلى واجهة شكلية، وتفقد قدرتها على (النقد والإصلاح).
إنّ (العدالة الثقافية) تقتضي أن يُنظر إلى (الكتاب) بما يحمله من (أصالة)، وأن يُعطى (المؤلف) مكانته العلمية بعيداً عن (التصنيفات الضيقة). فـ(المكتبات) لا تُبنى بـ(العلاقات)، بل تُبنى بـ(الجهود الفكرية) التي تُضيء الطريق أمام (الأجيال). وما أطرحه هنا ليس مجرد (مناشدة شخصية)، بل دعوة عامة إلى إعادة الاعتبار لـ(العلم والمعرفة)، وإلى إنصاف (المؤلفين) الذين يكتبون بصدق، بعيداً عن حسابات (النفوذ والمكانة).
إنّ (الكتاب) الذي يُقصى اليوم لأنه (حوزوي) أو (فقهي) قد يكون غداً (مرجعاً أساسياً) في فهم (المجتمع) وقوانينه. و(الكاتب) الذي يُهمَّش اليوم لأنه لا يمتلك (منصباً)، قد يكون غداً (صوتاً إصلاحياً) يُعيد التوازن إلى (الحياة الثقافية). لذلك، فإنّ (الإنصاف العلمي) ليس ترفاً، بل هو ضرورة لحماية (هوية الأمة) من (التهميش)، ولإعطاء (الكلمة) مكانتها في مواجهة (الضجيج الاجتماعي).