تفكيك الوعي الزائف( قراءة في كتاب دعوات الإمام المنقذ المزيفة) للأستاذ حسين شكران العقيلي

للأستاذ حسين شكران العقيلي

​في اللحظات التاريخية الحرجة التي تمر بها الأمة، وبينما تشتد الأزمات وتتعقد المسارات، تبرز ظاهرة (الانتظار) لا كقوة دافعة نحو التغيير الإيجابي، بل كمنفذ يتسلل منه أدعياء المهدوية لتزييف الوعي الجمعي واستغلال العواطف الدينية الغريزية.
في كتابه الأحدث، (دعوات الإمام المنقذ المزيفة وسبل تحصين الأمة) ، يضعنا الباحث الأستاذ حسين شكران العقيلي أمام مجهر تحليلي دقيق، لا يكتفي فيه برصد الظواهر العابرة، بل يغوص في جذور الادعاء وآليات التضليل التي يتبعها المنحرفون فكرياً. ل
ا يقف العقيلي في هذا المؤلف عند حدود السرد التاريخي أو النقد السطحي، بل يقدم رؤية استراتيجية متكاملة تهدف إلى (التحصين) ؛ معتبراً أن المواجهة ليست مجرد رد فعل أمني أو سجال كلامي، بل هي معركة وعي تتطلب أدوات معرفية متينة قادرة على كشف الزيف وتفنيد الحجج الواهية.
​وينطلق الأستاذ العقيلي في تشريح هذه الظاهرة من فهم عميق لطبيعة النفس البشرية حين تضيق بها السبل؛ فالأمة التي تواجه تحديات وجودية تصبح أحياناً صيداً سهلاً لوعود (الخلاص الفوري) . ومن هنا، ينسج المؤلف خيوط تحليله ليثبت أن (المنقذ المزيف) ليس مجرد فرد يدعي قدسية، بل هو ظاهرة سوسيولوجية تعتاش على الجهل بالتراث الصحيح واستغلال العاطفة المشتعلة. يفكك العقيلي في طيات كتابه تلك الآليات المعقدة التي يستخدمها هؤلاء الأدعياء، بدءاً من لغة (المظلومة) وصولاً إلى تأويل النصوص الدينية تأويلاً تعسفياً يخدم مآرب ضيقة، مبيناً أن خطر هذه الدعوات لا يتوقف عند الانحراف العقدي، بل يمتد لتمزيق النسيج الاجتماعي وتشتيت الوحدة الفكرية للأمة.
​ومع تعمق السرد التحليلي، نجد أن الكاتب لا يكتفي برصد الداء، بل ينتقل بذكاء الباحث الأكاديمي ليرسم ملامح (الوعي البديل) . إن عبقرية الطرح تكمن في كونه لم يجعل من النقد غاية بحد ذاتها، بل جعل منه جسراً للوصول إلى (التحصين الشامل) . هذا التحصين الذي ينادي به العقيلي ليس مجرد ردود فقهية معلبة، بل هو بناء منظومة دفاعية تبدأ من العقل؛ عبر تفعيل القراءة النقدية للتراث، وفصل الحقيقة المهدوية الناصعة عن الشوائب التي علقت بها بفعل المصالح السياسية أو الأوهام الفردية. إنه يدعو إلى عودة الوعي للجمهور، بحيث لا تنطلي عليه (المعجزات المزعومة) أو (الأحلام الموجهة) التي يسوقها المتمهدون الجدد.
​وفي ختام هذا الاستعراض الفكري، يتبين لنا أن الأستاذ العقيلي يضع الأمة أمام مسؤوليتها التاريخية؛ فالمواجهة مع التزييف هي مسؤولية مشتركة تبدأ من المؤسسة الدينية والتعليمية وتصل إلى وعي الفرد في منزله. إن الربط المنطقي الذي يقيمه المؤلف بين “هدم الخرافة” و”بناء الإنسان الواعي” يمثل جوهر الرسالة التي يحملها الكتاب. فالدعوات المزيفة تقتات على الفراغ المعرفي، والسبيل الوحيد لردم هذا الفراغ هو بتقديم بديل معرفي رصين يعيد للأمة توازنها، ويجعل من فكرة “الانتظار” طاقة للبناء والعمل لا ركوناً للأوهام الساذجة، وبذلك يتحول الكتاب إلى صرخة يقظة ومشروع نهضوي يسعى لحماية العقل من الضياع في تيه الادعاءات الكاذبة.