لماذا يعيش الناس في السويد أطول من العراق؟

إيهاب مقبل

يُعدّ متوسط العمر المتوقع من أبرز المؤشرات التي تعكس مستوى التقدم الصحي والاجتماعي في أي بلد، لأنه لا يعبّر فقط عن عدد السنوات التي يعيشها الإنسان، بل يكشف أيضًا عن جودة الحياة والبيئة والاستقرار الذي يعيشه المجتمع. وعند النظر إلى الفارق بين السويد والعراق، نجد فجوة واضحة في هذا المؤشر.

واستنادًا إلى توقعات موقع وورلدوميتر لعام 2026، يصل متوسط العمر في السويد إلى 83.7 عامًا (85.5 عامًا للنساء و82.0 عامًا للرجال)، بينما يبلغ في العراق حوالي 72.6 عامًا (70.7 عامًا للرجال و74.4 عامًا للنساء). هذا الفارق الكبير، الذي يصل إلى أكثر من عقد من الزمن، لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتيجة تراكم مجموعة من الظروف الصحية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تشكل مجتمعة واقع الحياة في كلا البلدين.

النظام الصحي ودوره في إطالة العمر
في السويد، يلعب النظام الصحي دورًا محوريًا في رفع متوسط العمر، حيث يتميز بالشمولية والتطور والتركيز على “الوقاية قبل العلاج”. فالفحوصات الدورية، والتدخل المبكر، وسهولة الوصول إلى الخدمات الطبية، كلها عوامل تقلل من احتمالات تطور الأمراض الخطيرة وتزيد من فرص الشفاء. في المقابل، يواجه النظام الصحي في العراق تحديات متعددة، منها نقص الموارد والتجهيزات، وتفاوت جودة الخدمات بين منطقة وأخرى، مما ينعكس سلبًا على صحة السكان ويؤثر على متوسط أعمارهم.

الاستقرار السياسي والأمني
يُعد الاستقرار السياسي والأمني عنصرًا حاسمًا في تفسير هذا الفارق. فقد عاشت السويد عقودًا طويلة من الاستقرار الذي سمح بتطوير مؤسساتها الصحية والاجتماعية بشكل مستمر، بينما مرّ العراق بظروف صعبة وصراعات متكررة، من بينها حرب العراق، والتي تركت آثارًا عميقة على البنية التحتية وعلى الصحة الجسدية والنفسية للسكان، وأسهمت في ارتفاع معدلات الوفيات المبكرة.

نمط الحياة والعادات اليومية
كما أن نمط الحياة اليومي يلعب دورًا مهمًا في هذا السياق. فالمجتمع السويدي يميل إلى تبني عادات صحية مثل ممارسة الرياضة بانتظام، والاعتماد على نظام غذائي متوازن، والاهتمام بالصحة النفسية، وهي عوامل تساهم في الوقاية من الأمراض المزمنة. في المقابل، يواجه المجتمع العراقي تحديات تتعلق بانتشار بعض العادات غير الصحية مثل التدخين، إضافة إلى الضغوط الحياتية التي قد تؤثر على الصحة العامة.

البيئة وجودة المعيشة
ولا يمكن إغفال تأثير البيئة وجودة المعيشة، إذ تتمتع السويد ببيئة نظيفة من حيث الهواء والماء، مع وجود رقابة صارمة على مصادر التلوث، في حين تعاني بعض مناطق العراق من مشكلات بيئية، منها تلوث الهواء والمياه، وضعف البنية التحتية، مما يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض.

التعليم والوعي الصحي
ويرتبط بذلك أيضًا مستوى التعليم والوعي الصحي، حيث يسهم التعليم المرتفع في السويد في تعزيز إدراك الأفراد لأهمية الوقاية والرعاية الصحية، مما ينعكس إيجابًا على سلوكهم اليومي. ومن العوامل المميزة في السويد وجود مادة دراسية تُسمّى “الاقتصاد المنزلي”، وهي مادة تُدرَّس في المدارس وتركّز على تعليم الطلاب مهارات الحياة اليومية مثل التغذية الصحية، تخطيط الوجبات، الطهي المتوازن، إدارة الميزانية المنزلية، والعادات الصحية العامة، إضافة إلى وجود مطبخ مدرسي عملي يمارس فيه الطلاب الطهي بشكل فعلي، مما يعزز التعلم التطبيقي ويجعل المعرفة الصحية جزءًا من الحياة اليومية منذ سن مبكرة. في المقابل، يفتقر العراق إلى مادة مشابهة بشكل ممنهج في المدارس، مما يترك فجوة في التعليم العملي المرتبط بالغذاء ونمط الحياة الصحي، ويجعل اكتساب هذه المهارات يعتمد بشكل أكبر على الأسرة أو التجربة الفردية بدلًا من النظام التعليمي.

نظام الدعم الاجتماعي
وأخيرًا، يلعب نظام الدعم الاجتماعي دورًا مهمًا في تحسين جودة الحياة، حيث توفر السويد شبكة أمان اجتماعي متكاملة تشمل الرعاية الصحية والدعم المالي ورعاية كبار السن، مما يخفف من الضغوط الحياتية ويعزز الاستقرار. في المقابل، يعتمد الكثير من الأفراد في العراق على الدعم العائلي في ظل محدودية أنظمة الرفاه الاجتماعي، وهو ما قد لا يكون كافيًا في جميع الحالات.

كيف يمكن رفع متوسط العمر في العراق؟
تحسين متوسط العمر في العراق ليس أمرًا مستحيلًا، بل يتطلب مجموعة من السياسات والإجراءات العملية التي يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا خلال سنوات:

أولًا، ينبغي الاستثمار الجاد في القطاع الصحي من خلال بناء مستشفيات حديثة، وتوفير الأدوية، وتدريب الكوادر الطبية، مع التركيز على الطب الوقائي وليس فقط العلاج. فالكشف المبكر عن الأمراض يقلل من الوفيات بشكل كبير.

ثانيًا، تحسين الاستقرار الأمني والسياسي يُعد شرطًا أساسيًا، لأن الاستقرار يسمح بتطوير باقي القطاعات ويقلل من الضغوط النفسية والوفيات الناتجة عن العنف.

ثالثًا، تحسين جودة البيئة عبر تقليل التلوث، وتطوير شبكات المياه والصرف الصحي، لأن الأمراض البيئية تُعد سببًا رئيسيًا في انخفاض متوسط العمر.

رابعًا، دعم التعليم، لأنه يرتبط مباشرة بزيادة الوعي الصحي وتحسين نمط الحياة، وبالتالي تقليل الأمراض المزمنة.

خامسًا، تطوير نظام دعم اجتماعي أكثر شمولًا، يوفر الحماية للفئات الضعيفة وكبار السن، مما يساهم في تحسين جودة الحياة بشكل عام.

سادسًا، إطلاق حملات توعية صحية واسعة تستهدف الإقلاع عن التدخين، وخفض استهلاك السكر والملح، والتوعية بمخاطر الإفراط في استخدام بعض الزيوت النباتية غير الصحية، إلى جانب تقديم بدائل أكثر توازنًا، مثل استخدام سكر ستيفيا كبديل منخفض السعرات، واستعمال ملح الهملايا بكميات معتدلة بدلًا من الملح العادي، والاعتماد على السمن البلدي “الدهن الحر الحيواني” باعتدال بدلًا من الزيوت النباتية المصنعة. كما ينبغي تشجيع النشاط البدني المنتظم، ونشر ثقافة الغذاء المتوازن، خاصة بين فئة الشباب، لما لذلك من دور أساسي في الوقاية من الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، مع تعزيز التوجه نحو تناول الأطعمة المشوية بدلًا من الأطعمة المقلية أو المطبوخة بطرق تعتمد على كميات كبيرة من الدهون، لما لذلك من فوائد في تقليل السعرات وتحسين الصحة العامة، إضافة إلى تقليل استهلاك الأرز الأبيض تدريجيًا واستبداله بالحبوب الكاملة مثل البرغل، لما له من قيمة غذائية أعلى وأثر أفضل على ضبط مستويات السكر في الدم وتعزيز الشعور بالشبع.

ويُشار في هذا السياق إلى أن الأرز في العراق كان معروفًا منذ قرون طويلة، لكنه لم يكن الغذاء اليومي الأساسي لمعظم السكان بسبب ارتفاع كلفته مقارنة بغيره من المحاصيل. ومع تطور التجارة الحديثة واتساع الاستيراد، خاصة من جنوب آسيا، ازداد توفره بشكل كبير في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأصبح جزءًا أساسيًا من المائدة اليومية. في المقابل، كان النظام الغذائي التقليدي في العراق يعتمد بدرجة أكبر على القمح ومشتقاته مثل الخبز والبرغل، إضافة إلى الشعير والبقوليات، بينما كان الطهي يعتمد غالبًا على السمن الحيواني والدهون الطبيعية، وبأساليب بسيطة مثل السلق والشوي والطبخ البطيء، مما جعله أكثر ارتباطًا بالمكونات المحلية وأقل اعتمادًا على الزيوت المصنعة مقارنة بالوقت الحاضر.

سابعًا، كما أن تحسين جودة الخدمات الأساسية في العراق يُعدّ عنصرًا حاسمًا في رفع متوسط العمر وتحسين جودة الحياة بشكل عام، وفي مقدمتها خدمات الكهرباء والماء. فاستقرار التيار الكهربائي ينعكس بشكل مباشر على الصحة العامة من خلال تشغيل المستشفيات والأجهزة الطبية بكفاءة، وحفظ الأغذية بشكل صحي، وتخفيف الظروف المعيشية القاسية، خصوصًا في فترات الصيف. كذلك فإن توفير مياه نظيفة وصالحة للشرب يساهم في تقليل انتشار الأمراض المعدية والأمراض المرتبطة بالتلوث، مثل أمراض الجهاز الهضمي والكلى. إن تطوير هذه البنية التحتية الأساسية لا يُعدّ رفاهية، بل هو شرط أساسي لتحسين الصحة العامة وزيادة متوسط العمر المتوقع للسكان.

خاتمة
في ضوء كل هذه العوامل، يتضح أن الفارق في متوسط العمر بين السويد والعراق ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو انعكاس شامل لواقع الحياة في كل بلد. وبينما يبلغ متوسط العمر في العراق نحو 73 سنة، فإن هذا الرقم قابل للتحسن بشكل كبير إذا ما تم التركيز على إصلاح النظام الصحي، وتعزيز الاستقرار، وتحسين البيئة والتعليم ونمط الحياة. وتجربة السويد تُظهر بوضوح أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الحقيقي لإطالة العمر وتحسين جودة الحياة.

انتهى