د. فاضل حسن شريف
جاء في موقع الزيدي عن عقيدة الخلود في ميزان الثقلين (كتاب الله – أهل البيت): قال الله تعالى: “وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ” (البقرة 48) الشّاهد: هذه الآية من الآيات المُحكمات في القرآن الكريم، إذ أنّ حال هذه الآيَة مُنطبقٌ على جميع الأمم يوم القيامَة، “وَاتَّقُواْ” يا بني إسرائل، “يَوْماً” هو يومُ القيامَة، “لاَّ تَجْزِي” لا تنفعُ ولا تشفَعُ ولا تدفعُ “نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ ” بتحمّل العذاب عنها، أو بالشّفاعَة في إزالته عنها، “شَيْئاً” ولا مثقال ذرَّة، “وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا” من النّفس التي تُريد أن تتحمّل عذاب غيرها، أو تشفعَ لغيرها بما لا تستحقّ، “شَفَاعَةٌ” أي وساطَة، “وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا” من النّفس الشّافعة لمن لا يستحقّون “عَدْلٌ” أي فِداء أو ما يُماثل الشّفاعة في طريقته، “وَلاَ هُمْ” أصحاب الأنفس الظّالمة “يُنصَرُونَ” بشفاعة الشّافعين، أو فداء المُفتدين. نعم إن قيل: هذه آيَة خاصّة ببني إسرائيل، إذ جاءت في سياق آياتٍ تتكلّم عنهم. قُلنا: بل هِيَ عامّة في كلّ نفسٍ ظالمَةٍ يوم القيامَة، فالله سُبحانهُ وتعالى يُخاطبُ بني إسرائيل ويُعلِّمهم بحال جميع الأنفُس، جميع الأمم، جميع الجماعات، يوم القيامة، فتأمّل قولَه تعالى: “يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً” تجدهُ جلّ ذِكره يتكلّم عن يوم القيامَة ويصفُ حالةً شاملَةً لجميع الأنفس في ذلكَ اليوم، فلو قال الرّجل لبني زيدٍ من النّاس: يا آل زيد اتّقوا يوم تعارُك العرَب والعَجم فإنّه يومٌ لا ينفعُ فيه شفاعةٌ ولا افتداء، فهَل تفهُم من هذا أخي الباحِث عن الحق أنّ عدم قبول الشفاعة والافتداء ليسَت إلاّ في بني زيد هؤلاء فقط، وأنّ بقيّة العرب والعجَم في ذلك اليوم سيُقبَل فيهم الشفاعة والافتداء، وتنبّه: أنّ القائل قال: “اتّقوا يوم تعارُك”، فمقصَدهُ شمول عدم قبول الشفاعة ولا الافتداء لكلّ من حضرَ ذلك اليوم، فإن فهمتَ هذا وتدبّرته، فأعِد تَفَهُّم الآيَة الكريمة وتدبُّرِها، فلله المَثَلُ الأعلى. إن قيل: قد فهِمنا قولَكم القريب، ولكنّا وَجدنا كلامَكم في الشّفاعة في الآيَة ينصرف إلى الأنفس الظّالمة وأنّه لا يُقبلُ فيها شفاعةٌ ولا عَدل، بينما الخطاب جاءَ عامّا في جميع الشّفاعات “وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ” أي ولا يُقبل من أيّ نفسٍ أيّ شفاعة للنفس الأخرى، وهذا ينفي الشفاعة من أساسِها، لا الشفاعة للمؤمنين، ولا الشفاعة لأصحاب الكبائر. قُلنا: آخرُ الآية لا يُصرّحُ بهذا، فالشفاعة المَقصودَة في الآية (نعني الشفاعة الغير مقبولة) هِيَ الشفاعة للنفس الغير مُستحقّة، أي للنفس المُستحقّة للنّار، أي للنفس التي لا يرتضيها الله تعالى، والدّليل قوله تعالى: “وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ”، والمَعلومُ أنّ الأنفس التي لا تُنصَرُ يوم القيامَة ليسَت إلاّ الأنفس الظّالمة، أمّا الأنفس الصّالحة المؤمنة فإنّها منصورَةٌ بإذن الله تعالى، عليه فالخطابُ في الآيَة عامٌ في جميعِ الأنفس الظّالمَة، الغير مرضي حالها عند الله سبحانَه وتعالى، والأنفس الظّالمة منها المُشركة الكافرة، ومِنها المسلمة الفاسقَة، فارتكابُ المسلم للزّنا فسق، والزّنا عملٌ لا يُرضي الله تعالى، ومَن ارتكبَهُ فقد ظلمَ نفسَه، فهوُ شخصٌ ظالمٌ فاسقٌ غير مرضيّ عند الله تعالى شَمِلتهُ الآيَة الكريمة القريبَة، فالأنفس في الآية لفظة يدخلُ تحتها كلّ نفس ظالمة حالُها غير مرضي عند الله تعالى يوم القيامَة، عليه فقد ثبتَ إجماعاً أنّ للملائكة شفاعات، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإخوانه من الأنبياء شفاعاتٍ لأقوامهم إجماعاً، بل حتى وأئمّة أهل البيت سادات بني الحسن والحسين لهم شفاعات يوم المحشر، ثمّ أثبتَت هذه الآيَة أنّ شفاعَة الشّافعين لا تُقبَل في الأنفس التي لا يرتضيها الله تعالى، والفسقَة والعُصاة من أهل القبلَة ليسَ الله براضٍ عنهُم قطعاً ما أصرّوا على فسقهم، فلم يبقَ لشفاعة الملائكة والأنبياء والأئمّة إلاّ الأنفس المؤمنة كي تزيدَ في الترفّل في النعيم، قال الله تعالى: “وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى” (النجم 26)، تأمّل هُنا أنّ شفاعة الملائكة وهم أعظم خلق الله لا تنفعُ إلاّ بثلاثة شروط: الشّرط الأول: “إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ” أن يأذنَ الله للملائكَة بالشفاعة. والشّرط الثّاني: “لِمَن يَشَاء” أن تكونَ شفاعتُهم لمن يشاءُ الله أن يُشفعَ لهم من النّاس، ولكنّ هذا مُبهَم إذ قد يُقال أنّ جميع أصحاب المعاصي والكبائر وكذلك المؤمنون داخلون في مشيئة الله تعالى هذه، فإن قيل هذا، قُلنا: ولكنّ الله قيّدَ مشيئتَهُ بشرط الرّضوان، فقال “لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى”، ومعلومٌ أنّ النّاس يوم القيامة صنفان اثنان، صنفٌ مرضيٌ عندَ الله، وصنفٌ مغصوبٌ عليه عند الله، عليه فشفاعة الله تعالى التي أذِنَ بها لملائكته لن تنالَ إلاّ الصنف المرضي عنه عند الله تعالى، وإلاّ أصبحَت زيادَة قوله تعالى: “ويرضَى” خاليَة من الفائدَة لو تعنّت المُخالِفُ وقال أنّ المعنى: لمِن يشاء الله من النّاس ويرضَى بالشفاعة له سواءً كان من أصحاب الكبائر أو من المؤمنين، وذلكَ لو كانَ صحيحاً لاكتفى الله تعالى بقوله: “إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء” بدون إضافة “وَيَرْضَى”، فتأمّل هذا، فإن تأمّلته فاشددُ عليه،وما قيلَ من شروط بحقّ قبول شفاعة الملائكة المُكرمّين يُقال في سائر شفاعات الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين، وتأمّل قوله تعالى لتعرف مَن يرضَى الله ليُشفَع فيه ممّن لا يَرضَى: “فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ” (التوبة:96)، وقال تعالى: “إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” (الزمر:07)، فشفاعة الله للشّاكرين المؤمنين لأنّهم مَرضيوّن عند الله تعالى “تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ”، نعم ! فإن قال لكمُ مشائخكم إخوتي الباحثين عن الحقيقة أنّ هذه الآيات إنّما هي للكافرين والمشركين وليسَت لأهل القِبلَة، فقولوا لهم: فما نصنعُ إذاً بقول الله تعالى العام في جميع أهل المحشر: “وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى”، فإنّا إن سلّمنا لكُم أن آيات عدم الرّضا السّابقة مُخاطبةً للمشركين والكافرين، فإنّ أصحاب الكبائر والفجور من أهل القِبلَة، قتلةً، وزُناةً، وأصحاب الرّبا، والسّحرَة، وآكلوا أموال اليتامى، والظّلمَة، وأمثالهم، قطعاً ليسوا بمرضيين عند الله تعالى، عقلاً وشرعاً، والملائكة والأنبياء لن (تفيد النفي والتأبيد) يشفعوا إلاّ لمن ارتضى الله تعالى، فهل هؤلاء عندكَم مشائخنا الكرام ممّن يستحقّ رضوان الله تعالى ؟!!، ومعلومٌ أنّكم مشائخَنا لا تَنفون استحقاق هؤلاء الغير مرضيين عند الله لوعيدهِ القرآني بالنّار لهم، فإذا كان ذلكَ كذلك، وكان أن لا شفاعة إلاّ للمرضيين عند الله، فإنّ هؤلاء الفسقَة سيُخلّدون في النّار، وكذلك لن يَدخُل أحدٌ منهُم الجنّة بشفاعة الشّافعين وهُو لا يستحقّ ذلك، بل إلى النّار خالدٌ مخلّد أبد الآبدين، اللهم صلّ على محمد وآل محمّد.
قال الله تعالى “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ” (الزمر 9): جاء في موقع الزيدي عن هو الإمام الهادي إلى الحق المبين، أبو الحسين يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. ولد بالمدينة المطهرة سنة خمس وأربعين ومائتين، وحمل إلى جده القاسم عليهما السلام فوضعه في حجره المبارك وعوذه، وقال لأبيه: بم سميته؟ قال: يحيى – وقد كان للحسين أخ يسمى يحيى توفي قبل ذلك – فبكى القاسم حين ذكره، وقال: هو والله يحيى صاحب اليمن. وإنما قال ذلك لأخبار رويت بذكره. وبقي القاسم عليه السلام بعد ذلك سنة واحدة، وإلى ذلك أشار الإمام الداعي يحيى بن المحسن بقوله: وأعلن القاسم بالبشاره بقائم فيه له أماره من الهدى والعلم والطهاره …. قد بث فيه المصطفى أخباره. بفضله وأوجب انتظاره …إلى آخره. صفته عليه السلام: قال الإمام المنصور بالله عليه السلام: كان أسديا أنجل العينين، غليظ الساعدين بعيد ما بين المنكبين والصدر، خفيف الساقين والعجز، كالأسد. قيامه عليه السلام: سنة ثمانين ومائتين، أقام الله به الدين في أرض اليمن، وأحيا به رسوم الفرائض والسنن، فجدد أحكام خاتم النبيين، وآثار سيد الوصيين، وله مع القرامطة الخارجين عن الإسلام نيف وسبعون وقعة، كانت له اليد فيها كلها، ومع بني الحارث، نيف وسبعون وقعة. وخطب له بمكة المشرفة سبع سنين، كما ذكر ذلك في عمدة الطالب، وغيره. قال الإمام أبو طالب عليه السلام: وكان – الإمام الناصر الأطروش – يحث الناس على نصرة الهادي يحيى بن الحسين، ويقول: من يمكنه أن ينصره وقرب منه فنصرته واجبة عليه، ومن تمكن من نصرتي وقرب مني فلينصرني. شيء من الآثار الواردة فيه: وفيه آثار عن جده النبي وأبيه الوصي، منها: عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: (ما من فتنة إلا وأنا أعرف سائقها وناعقها، ثم ذكر فتنة بين الثمانين والمائتين (قال): فيخرج رجل من عترتي اسمه اسم نبي، يميز بين الحق والباطل، ويؤلف الله قلوب المؤمنين على يديه). وأشار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بيده إلى اليمن، وقال: (سيخرج رجل من ولدي في هذه الجهة اسمه يحيى الهادي يحيي الله به الدين). ويسر الله له علم الجفرالذي أوحى الله إلى نبيه فيه علم ما يكون إلى يوم القيامة، وكان معه ذو الفقار سيف أمير المؤمنين، وإلى ذلك أشار صاحب البسامة بقوله: من خص بالجفر من أبناء فاطمة وذي الفقار ومن أروى ظما الفقر.
قال العلامة يحيى بن حسن القرشي الصعدي، صاحب (المنهاج)، في معرض كلامٍ كان يُخاطبُ به أهل الجبر: (وإذَا كَانَت الشّفَاعَة للفَجَرة والفُسّاق فَمَا مَعنى: “أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ” (الزمر 19)، وإذَا لَم يَكن بَين الطّائع والعَاصي فَرقاً، فَمَا مَعنى آخر سُورة الفُرقَان؟!، وإذا كَان الفَاسِقُ بالمؤمنينَ لاحِقاً، فمَا مَعنى: “أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً ” (السجدة 18)؟، وإذا جَاز أن يُخلِفَ الله فِي الوَعيد، فَفَسِّرُوا: “مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ” (ق 29)).
جاء في موقع عرفان: بعد أن أخرجت عقائد الزيدية من كتاب البحر الزخار، وقفت على رسالة مختصرة باسم العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين لموَلّفه العلامة الاَمير الحسين بن بدر الدين محمد المطبوع باليمن، نشرته دار التراث اليمني صنعاء، و مكتبة التراث الاِسلامي بصعده وهي من أوائل الكتب الدراسية في حقل أُصول الدين والموَلّف من أجلّ علماء الزيدية، وأكثرهم تأليفاً وتعد كتبه من أهم الاَُصول التي يعتمد عليها علماء الزيدية ويدرسونها كمناهج. فصل (في أنّ اللّه لا يريد شيئاً من القبائح). فإن قيل: أربك يريد شيئاً من القبائح؟ فقل: إنّه تعالى لا يريد شيئاً منها، فلا يريد الظلم، ولا يرضى الكفر، ولا يحب الفساد، لاَنّ ذلك كله يرجع إلى إرادة القبيح، وإرادة القبيح هي قبيحة، وهو تعالى لا يفعل القبيح. ألا ترى أنّه لو أخبرنا مُخبرٌ ظاهرهُ العدالة، بأنّه يريد الزنا والظلم لسقطت عدالته، ونقصت منزلته، عند جميع العقلاء، ولا علّة لذلك إلاّ أنّه أتى قبيحاً، وهو إرادة القبيح. وقد قال تعالى: “وَاللّه لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ” (البقرة 205). وقال: “وَلاَيَرْضَى لِعِبادِهِ الكُفْرَ” (الزمر 71). وقال: “ومَا اللّهُ يُريدُ ظُلماً للعِبادْ” (غافر 31).