من أمستردام إلى بابل
كتب رياض الفرطوسي
أقف على حافة “القناة الكبرى” في أمستردام، أراقب انعكاس البيوت العتيقة على وجه الماء، وأتساءل: كيف لم ينكسر هذا الزجاج المائي رغم مرور القرون؟ الإجابة لا تكمن في متانة الحجر، بل في ليونة البشر. هنا في هولندا، لا يُبنى المجتمع على “الصلابة” الزائفة التي ندعيها في بلادنا، بل على “الشفافية” التي تجعل المسؤول يسقط من كرسيه لمجرد أنه خدش وجه الحقيقة.
في بلاد “الطواحين”، لا تُعتبر السياسة “وجاهة” اجتماعية، ولا “عشيرة” تحمي أبناءها من الحساب، بل هي عقد أخلاقي رقيق وشفاف كـ “الخزف الديلفتي” (فخار هولندي تاريخي أزرق وأبيض، يشتهر بدقة نقوشه وجماله، لكنه سريع الانكسار إذا لم يتم التعامل معه بحرص شديد)؛ فإذا انخدشت مصداقيتك، انكسر مستقبلك السياسي فوراً.
هنا، قد يغادر الوزير منصبه ليس لأنه سرق الملايين، بل لأنه فقط “حاول تزييف الواقع” أو ذكر معلومة غير دقيقة أمام البرلمان؛ فالحقيقة في هولندا مقدسة، والالتفاف عليها يُعتبر خطيئة لا تغتفر. لم يخرج مسؤول واحد ليقول: “أنا من بيت فلان” او حزب علان أو “هذا الخطأ ليس من اختصاصي”، بل وقفوا جميعاً، وبكل هدوء، واعتذروا للشعب ورحلوا.
هذا “اللطف” الهولندي في التعامل مع الخطأ يتجلى حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية؛ فقد تجد شرطياً يخطئ في تقدير موقف مع مواطن، وبدلاً من استخدام لغة القوة أو التهديد بمنصبه، يبادر بالاعتذار وتصحيح الخطأ بمجرد إدراكه للحقيقة. المسؤول هنا، مهما علا شأنه، يرى نفسه “خادماً للقانون” لا “فوق القانون”. فإذا أخطأ في تطبيق مادة قانونية أو ظلم فرداً بقرار غير دقيق، فإنه يعتبر الاعتذار والرجوع عن الخطأ قمة القوة الأخلاقية، لا ضعفاً كما يُشاع في ثقافتنا. إن أنبل خطوة في سلم النزاهة هنا هي أن تعترف بأنك إنسان قد يخطئ، وأن كرامة النظام أهم بكثير من “الأنا” الشخصية.
المفارقة المؤلمة تتبدى حين تقارن هذا المشهد بما نعيشه في أوطاننا. نحن الذين نرتدي “أقنعة” الحسب والنسب، ونحول الوظيفة العامة إلى “إقطاعية” خاصة. في شرقنا، يخطئ المسؤول فيُكافأ، ويسرق فيُمدح، ويقتل فيُبجّل، لأنه يحتمي بـ “عكاز” القبيلة. أما هنا، فتجد الصديق “أحمد أبو طالب”، الذي أدار روتردام كعمدة لها ، ثاني أكبر مدينة هولندية، لسنوات طويلة بكفاءة مذهلة. وهو المهاجر المغربي، وقد تبنى خطاباً واقعياً منذ مجيئه الى هولندا . المثير للحزن أن التحديات الكبرى التي واجهته لم تكن من “الآخر”، بل من أبناء جلدته، لأنه أصر على تطبيق القانون والاندماج الصارم، رافضاً “ذهنية الاستثناء”. قوبل بصدام مع من أرادوا منه “محاباة” عاطفية، لكنه انتصر للنظام والقانون حتى تقاعد تاركاً إرثاً من النزاهة لا يُهزم.
هذا الفارق ليس في جودة “التعليم”، بل في جوهر “التربية”. التربية هنا تبدأ من “الرقيب الذاتي” : ذلك الصوت الخفي الذي يمنعك من تجاوز الإشارة الحمراء في ليل حالك في مدينة “لاهاي” الهادئة، حيث لا يراك أحد سوى ضميرك. بينما في بلادنا، يغلق أصغر مسؤول الشوارع بموكبه، ويدهس كرامة المارة، ثم يخرج في المساء ليعطينا درساً في “التضحية”.
نحن بحاجة إلى “تجريد” الإنسان من زوائده؛ من ماله، وسيارته، وشجرته العائلية، لنرى المعدن الحقيقي. إن المدن التي تسر الناظرين، مثل “دلفت” و”أوتريخت” و”هارلم”، هي في الحقيقة “قصائد إنسانية” كُتبت بمداد النزاهة. البيوت المتراصة بلا أسوار عالية تعكس أرواحاً لا تخاف من جيرانها، والسياسيون الذين يركبون الدراجات الهوائية بجانب عامة الناس يعكسون نظاماً يدرك أن السلطة “وظيفة” وليست “تأليهاً”.
الفرق بيننا وبينهم يتلخص في كلمة واحدة: “المسافة”. هم يحترمون المسافة بين الخاص والعام، وبين القانون والعاطفة. أما نحن، فقد خلطنا كل شيء ببعضه حتى غدا الوطن “غنيمة” والاعتذار “مذلة”. إن العدالة التي أسسها أجدادنا في بابل وسومر لم تكن مجرد قوانين تُقرأ، بل كانت “روحاً” تسعى لحماية الضعيف من تغول القوي. لقد أضعنا تلك الروح في زحام “الأنا” المتضخمة، ووجدوها هم في بساطة “الاعتراف”. العودة إلى الجذور ليست نكوصاً للماضي، بل هي العودة إلى “الإنسان” في أنقى صور تجرده، بعيداً عن زيف الأقنعة.