جديد

حَدِيثُ الجُمُعَةِ[٣]

نزار حيدر

{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
العِلمُ والحِوارُ وحريَّةُ التَّعبيرِ؛ هي ثُلاثيَّةُ الإِبداع والإِبتكار والتَّعايش والإِندماج والتَّكامل، فإِذا غابت واحدةٌ منها أَو أَكثر فلا تنتظِر أَن يتطوَّرَ المُجتمعُ ويستقرَّ أَو يُبدعَ أَبناءهُ أَو يتعايَش سلميّاً أَبداً.
وإِذا سأَلَ أَحدٌ؛ لماذا سُمِّيَ الشِّيعة بالجعفريِّينَ؟! وسُمِّيَ مذهبهُم بالمذهبِ الجعفريِّ؟! نسبةً إِلى الإِمام جعفر بن محمَّد الصَّادق (ع) [تصادفُ ذِكرى استشهادهِ في يوم (٢٥) شوَّال ١٤٨ للهجرةِ] دونَ سواهُ من أَئمَّةِ أَهلِ البيتِ (ع) الإِثنَي عشَر؟!.
حسبَ فهمي فإِنَّ فلسفَة التَّسمية تعتمِدُ هذا الثُّلاثي الحَضاري الذي كرَّسهُ وبنى أُسسَهُ الإِمام (ع) أَكثر من غيرهِ بسببِ الظُّروفِ السياسيَّةِ والإِجتماعيَّة التي عاشَها (ع) والمُتمثِّلةُ بالفترةِ الإِنتقاليَّةِ بينَ عهدينِ [الأَموي] الزَّائل و [العبَّاسي] الذي نهضَ إِذ تمنحُ مثلَ هذهِ الفَتراتِ الإِنتقاليَّةِ عادةً فُسحةً من الحريَّاتِ على مُختلفِ المُستوياتِ خاصَّةً الفكريَّة والسياسيَّة ما منحَ الإِمامُ (ع) فُرصةَ تعميقِ ونشرِ العلمِ والفكرِ والثَّقافةِ وإِطلاقِ عمليَّةٍ واسعةٍ من الحوارِ والجدالِ العلمي المُعمَّقِ في إطارِ حريَّةِ التَّعبيرِ وعلى رأسِ كُلِّ ذلكَ التشيُّع لأَهلِ البيتِ (ع).
فضلاً عن العمرِ المديدِ الذي عاشهُ الإِمام قياساً ببقيَّةِ الأَئمَّة (ع).
أ/ العلمُ؛ فلقد تركَ لنا الإِمامُ أَسفاراً من مُختلفِ العلومِ العلميَّةِ والدينيَّةِ فيما تناقلَت قوافلُ الطَّلبةِ علومهُ حتَّى وردَ في التَّاريخِ أَنَّ أَكثر من [٤] آلاف طالب، وفيهِم فُقهاء ومحدِّثين، كانُوا ينقلُونَ في دواوينِ المدينةِ ومدارسِها وأَسواقِها من علومهِ قائلينَ [حدَّثنا جعفر بن محمَّد].
ولا يخفى على أَحدٍ فإِنَّ مُؤَسِّسي وفُقهاء بقيَّة المذاهِب الإِسلاميَّة تتلمذُوا على يدِ الإِمامِ (ع) بشكلٍ مُباشر أَو غَير مُباشر، كما تخرَّجَ على يدهِ ومن درُوسهِ ومجالسهِ العديد من العُلماء في مختلفِ أَبوابِ العلمِ.
وللمزيدِ من التَّفاصيلِ بهذا الصَّددِ يُستحسنُ مُطالعةَ سِفر [الإِمامُ الصَّادق (ع) والمذاهِبُ الأَربعةِ {(٤) أَجزاء} لمُؤَلِّفهِ البحَّاثةُ القدير المرحُوم الشَّيخ أَسد حَيدر] وكتابُ [الإِمامُ الصَّادق (ع) كما عرِفهُ عُلماءُ الغربِ] لمجموعةٍ من المُؤَلِّفينَ والباحثينَ العالمييِّنَ].
ب/ وقد حرصَ الإِمامُ (ع) على أَن يعقدَ مجالِس الحِوار والجِدال العلمِي المَنطقي القائِم على الدَّليلِ معَ كُلِّ مَن طلبَ الحِوارَ معهُ مِن دونِ إِقصاءٍ لأَحدٍ أَو تهديدٍ ووعيدٍ، فكانَ يُجادلُ الملاحدةَ والزَّنادقةَ والمُخالفينَ والمُرتدِّينَ ومن كُلِّ المِللِ والنِّحلِ من دونِ تُهَمٍ وافتراءاتٍ أَو تشكيكٍ في النَّوايا، فكانَ سلاحهُ الوحيدُ هوَ العلمُ ومنطقهُ الدَّليلُ العلميِّ ووسيلتهُ الإِقناع من دونِ خَوفٍ أَو إِكراهٍ، لأَنَّ الخَوفَ والإِكراهَ يُنتجُ النِّفاقَ ويَخلقُ الأَرضيَّة المُناسِبة لنموِّ وانتشارِ هذا المرضِ الخبيثِ الذي تُبتلى بهِ الأُمم والشُّعوب عندما تكونُ الحاكميَّة للعقليَّةِ الجمعيَّة والشَّعبويَّةِ التي تُشكِّلُ [الإِقصائيَّة] التي ترسمُ الخطُوطَ الحَمراءَ للتَّفكيرِ وتمنعُ منعاً باتّاً التَّفكيرَ خارجَ المألوفِ أَو كما يقولُونَ خارجَ الصُّندوق!.
ج؛ والعِلمُ والحوارُ لا يكفي إِذا غابَت حريَّةُ التَّعبير، فإِذا كانَ العالِمُ مُعتدّاً بعلمهِ يرفضُ الإِصغاءَ إِلى الرَّأي الآخر، وإِذا كانت مجالسُ الِحوارِ والجِدالِ تُعقدُ للإِصغاءِ للرَّأي الواحدِ فقط وممنوعٌ فيها حريَّة التَّعبيرِ فكيفَ يُمكنُ أَن نتصوَّرَ المُشاركة أَو إِدارةَ حوارٍ علميٍّ وجدالٍ منطقيٍّ؟!.
وبجردةِ حسابٍ سريعةٍ لتجاربِ الأُممِ والشُّعوبِ التي حقَّقت التحوُّل الحَضاري فسنكتشِف بأَنَّ [حريَّة التَّعبير] هي الأَساس وحجَر الزَّاوية الذي تمَّ البناءُ عليهِ للنُّهوض والتَّنمية والتطوُّر، ليسَ فقط على مُستوى العلُومِ الإِنسانيَّةِ فحسب وإِنَّما حتَّى على مُستوى العلُومِ [العلميَّة].
فما هي نسبةُ إِيمانِ [الجعفرييِّنَ] بمبادئِ أُستاذهِم المُؤَسِّسِ؟!.
تابِعُوا وسائِلَ التَّواصلِ الإِجتماعي فستجِدُونَ النِّسبةَ واضِحةٌ جدّاً!.
٢٠٢٦/٤/١٠