بقلم: حسين شكران العقيلي
١٠ نيسان ٢٠٢٦
ليس من قبيل المبالغة أن نصف واقع المتقاعد اليوم في ظل الأزمات الراهنة بأنه يعيش «عقوبة الخدمة»، وهي مفارقة مؤلمة تحول فيها الاستحقاق القانوني والتقدير المعنوي إلى عبء ثقيل ينوء بحمله من أفنى زهرة شبابه في أروقة مؤسسات الدولة إن المشهد السريالي الذي نعيشه اليوم يضعنا أمام تساؤل بنيوي حول مفهوم «العدالة الاجتماعية» في الأنظمة الإدارية والمالية التي تقر رواتب تقاعدية لا تتجاوز سقف الـ (٥٠٠) ألف دينار في وقت يلتهم فيه «التضخم الجامح» القوة الشرائية للعملة وتتصاعد فيه أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني، مما يجعل من هذا المبلغ الزهيد مجرد «رقم رمزي» لا يمت بصلة لواقع السوق أو متطلبات العيش الكريم.
عندما نتأمل في حال المتقاعد الذي يعيل عائلة وزوجة، نجد أننا أمام «معادلة رياضية مستحيلة الحل» فكيف يمكن لرب أسرة أن يوزع هذا المبلغ الضئيل بين إيجار السكن وتكاليف الرعاية الصحية التي تزداد مع التقدم في السن وفواتير الخدمات ومتطلبات المائدة اليومية؟
إن الاستمرار في فرض هذه الرواتب الهزيلة يمثل «انفصاماً إدارياً» بين المشرّع والواقع فمن أقر هذه الموازنات ورسم السياسات المالية يتربع غالباً على عرش رواتب تبلغ ملايين الدنانير محصناً بامتيازات ونثريات تجعله في معزل تماماً عن «الأنين الصامت» الذي يخرج من بيوت المتقاعدين هذه الفجوة الطبقية ليست مجرد تفاوت في الدخل، بل هي «شرخ أخلاقي» في عقد المواطنة، حيث يُكافأ صاحب المنصب بالبذخ، بينما يُعاقب من أتم خدمته بالفاقة والعوز.
إن التحليل العميق لهذا الواقع يكشف عن «خلل هيكلي» في رؤية الدولة لمفهوم التقاعد فبدلاً من أن يكون التقاعد فترة راحة واسترداد للجهد،
تحول إلى «مرحلة كفاح مريرة» من أجل البقاء. إن المتقاعد الذي يخرج إلى السوق ليجد أن سعر كيس الطحين أو علبة الدواء قد تضاعف عدة مرات يجد نفسه مجبراً على ممارسة «سياسة تقشف قسرية» تمس كرامته الإنسانية وهنا تبرز المقارنة الصارخة:
كيف لمن يتقاضى راتباً دستورياً أو سيادياً بملايين الدنانير أن يشعر بمرارة من يبحث عن أرخص أنواع الخضار في نهاية اليوم؟
إن هذه «الأرستقراطية المالية» التي تتمتع بها النخب الحاكمة والتشريعية تخلق حالة من «العمى البيروقراطي»، حيث تصبح الأرقام في موازنات الدولة مجرد جداول صماء لا تبصر الوجوه الشاحبة خلف شبابيك الصرف.
علاوة على ذلك، فإن الأزمات الاقتصادية التي يمر بها البلاد ليست مجرد ظروف عابرة بل هي «اختبار حقيقي» لمدى إيمان السلطة بالعدالة التوزيعية ففي أوقات الغلاء، تكون الفئات الهشة هي أول من يدفع الثمن والمتقاعد يقع في مقدمة هذه الفئات لأنه يمتلك «دخلاً ثابتاً محدوداً» أمام سوق «متحرك وبلا كوابح».
إن الإصرار على بقاء الحد الأدنى للراتب عند هذه المستويات المخجلة يمثل «إدانة صريحة» لكل من ساهم في تشريع هذه القوانين أو عرقل تعديلها إنها حالة من «الإقصاء الاقتصادي» الممنهج حيث يُدفع بالمتقاعد إلى زاوية الضيق، بينما تستمر الميزانيات الانفجارية في تمويل مكاتب وسفرات ومواكب من يقررون مصير هذا المتقاعد.
من منظور «سوسيولوجي»، يؤدي هذا الواقع إلى تآكل الثقة بالمؤسسات فعندما يرى الموظف الشاب حال سلفه المتقاعد فإنه يفقد الحافز للعطاء والنزاهة ويصبح مقتنعاً بأن «الإخلاص في الخدمة» لا يؤدي إلا إلى «الفقر المضمون».
وبذلك تتحول الوظيفة العامة من رسالة وطنية إلى مجرد وسيلة لاقتناص المكاسب السريعة قبل الوصول إلى «مقصلة التقاعد» إن المجتمع الذي لا يحترم كباره ولا يقدر خدمتهم هو مجتمع يعاني من «هشاشة في القيم»، لأن المتقاعد ليس مجرد رقم في سجلات هيئة التقاعد، بل هو «خزان خبرات» و«تاريخ متحرك» ساهم في بناء مداميك الدولة في أصعب الظروف.
إننا بحاجة اليوم إلى وقفة «مكاشفة وطنية»، فمن غير المنطقي ولا المقبول شرعاً أو قانوناً أن يظل المتقاعد رهين مبلغ لا يكفي لسد احتياجات أسبوع واحد من الشهر إن المطالبة برفع الرواتب التقاعدية ليست «منّة» أو «هبة» من أحد بل هي «استحقاق مالي» ناتج عن استقطاعات دامت لعقو وهي «واجب قانوني» يفرضه الدستور الذي ينص على توفير العيش الكريم. إن الفجوة بين «راتب المليون» و «راتب الـ ٥٠٠ ألف» هي تجسيد حي لغياب الرؤية الاقتصادية المنصفة وهي تدعو للتساؤل: هل يعيش المسؤولون في بلد آخر غير الذي يعيش فيه المتقاعد؟
وهل يتسوقون من أسواق غير التي تشتعل فيها الأسعار؟
ختاماً: إن «عقوبة الخدمة» التي تفرضها الأزمات وتكرسها السياسات المالية الخاطئة يجب أن تنتهي. لا يمكن بناء دولة مستقرة وقاعدة التقاعد فيها ترتكز على «أجساد منهكة» وأرواح مثقلة بالهموم المعيشية. إن إنصاف المتقاعد هو إنصاف لتاريخ البلاد، وتعديل سلم الرواتب ليتناسب مع «خط الفقر الحقيقي» وليس الورقي هو المدخل الوحيد لاستعادة جزء من هيبة الوظيفة العامة وكرامة الإنسان. إن المتقاعد الذي يعيل عائلة وزوجة يستحق أن ينام قرير العين، لا أن يظل ساهراً يحسب «كسور الدنانير» في مواجهة «غول الغلاء»، بينما ينعم الآخرون بفيض الرواتب المليونية التي أُقرت بدم بارد بعيداً عن واقع الناس وأوجاعهم.