سوق الوعظ

سوق الوعظ

كتب رياض الفرطوسي

بناءً على القراءة المعمقة لمقالنا السابق “دراما السقوط الأنيق”، وتجاوباً مع التساؤل الجوهري والقلق المعرفي الذي أثاره الأستاذ القدير صفاء الشيخ حول ضرورة تشخيص أسباب هذا التردي ورسم مسارات النهوض، نجد أنفسنا اليوم أمام حقيقة موحشة تفرضها مراجعة الواقع: نحن نعيش عصر “تسليع الوعي”، حيث لم تعد القيمة الأخلاقية للكلمة هي المعيار، بل “قيمتها التبادلية” في سوق النفوذ والحظوة الرقمية. لقد سقطت النخبة حين استبدلت “قلق السؤال” بـ “راحة التبعية”، وحين صار دورها لا يختلف عن دور “خبير التجميل” الذي يضع المساحيق على وجه الواقع المشوه ليمنحه شرعية زائفة.

إن جذور هذا التردي تكمن في “انفصال المعنى عن المبنى”؛ فالمثقف اليوم يمتلك لغة باذخة، لكنه يفتقر إلى “الموقف” الذي يمنح هذه اللغة روحها. لقد تحول العقل النخبوي إلى “أداة تقنية” (Technical Reason) تجيد المناورة والالتفاف، بدلاً من أن يكون “عقلاً نقدياً” يواجه الذات قبل الآخر. هذا السقوط هو نتاج تحالف غير مقدس بين “نرجسية المثقف” و”براغماتية السلطة” (سواء كانت سلطة سياسية، حزبية، أو اجتماعية)، مما أنتج كائناً مشوهاً يجيد الحديث عن الحرية في المقالات ويمارس الاستبداد في الكواليس.

أما سبل النهوض، فلا تمر عبر الندوات الرتيبة أو البيانات الإنشائية، بل تبدأ من “صدمة الارتطام بالواقع”. الإصلاح يتطلب “ثورة تطهير لغوية” تعيد للكلمات قداستها؛ فالفساد يجب أن يُسمى فساداً لا “مرونة”، والانتهازية يجب أن تُعزل لا أن تُرفع كـ “ذكاء اجتماعي”. النهوض يستوجب استعادة نموذج “المثقف الزاهد”—ليس زهد الرهبنة، بل زهد المترفع عن فتات الموائد التي تشتري صمته. نحن بحاجة إلى نخبة تجرؤ على ممارسة “الانتحار الرمزي” لمصالحها الضيقة، لتولد من جديد كـ “ضمير جمعي” لا ينحني لابتزاز الجماعة ولا لإغراء السلطة. إن القيامة الفكرية تبدأ حين يدرك المثقف أن مهمته ليست “إرضاء الجمهور”، بل “إيقاظ الحقيقة” في عروق مجتمع استمرأ النوم في ظلال السرديات المحبوكة.

هل نملك اليوم شجاعة التخلي عن الأقنعة لنمضي نحو “الصدق العاري”، أم أن بريق “المسرح” صار أشهى من حرية “الواقع”؟