جديد

إطلاق البط الداجن في الأنهار.. جريمة بيئية وحكم بالإعدام المؤجل

ضياء أبو معارج الدراجي

تحولت ظاهرة إطلاق البط الداجن في الأنهار والجداول إلى ممارسة خاطئة يصفها البعض بأنها عمل إنساني أو مساهمة في زيادة الحياة البرية، بينما هي في حقيقتها حكم بالإعدام على هذه الطيور البريئة. فالبط الداجن الذي عاش حياته تحت رعاية الإنسان، يحصل على غذائه جاهزاً ويعيش في بيئة آمنة ومحاطة بالحماية، لا يمتلك المقومات التي تؤهله للبقاء في الطبيعة المفتوحة ولو لأيام معدودة.

هناك فرق جوهري بين البط الداجن والبط المهاجر البري. فالبط المهاجر نتاج آلاف السنين من التكيف مع البيئة الطبيعية، يمتلك غريزة متطورة لتحديد مصادر الغذاء، والقدرة على اكتشاف المخاطر والهرب من المفترسات، ويعرف مواسم الهجرة والتكاثر ومسارات التنقل بين البيئات المختلفة. كما يتمتع بقدرة بدنية أعلى على الطيران لمسافات طويلة، ويملك خبرة فطرية وسلوكية تمكنه من البقاء في ظروف الطبيعة القاسية.

أما البط الداجن فهو سلالة جرى استئناسها وتربيتها لأجيال طويلة داخل المزارع والمنازل، حتى فقد الكثير من الصفات التي يحتاجها للبقاء في البرية. فهو لا يعرف أين يجد غذاءه، ولا يمتلك الخبرة الكافية لتجنب المفترسات، وغالباً ما يكون أثقل وزناً وأضعف قدرة على الطيران والمناورة مقارنة بأقاربه البرية.

وعندما يتم إطلاق فراخ البط الداجن في نهر دجلة أو غيره من المسطحات المائية، فإنها تواجه سلسلة من الأخطار القاتلة منذ اللحظات الأولى. فالجوع يبدأ بالفتك بها لأنها لا تعرف مصادر الغذاء الطبيعية، ثم تأتي الطيور الجارحة والكلاب السائبة والقطط البرية والحيوانات المفترسة الأخرى لتصطادها بسهولة. وحتى إذا نجا بعضها من هذه الأخطار، فإن الأمراض والظروف البيئية القاسية كفيلة بالقضاء عليه خلال فترة قصيرة.

إن من يرمي فراخ البط في النهر معتقداً أنه يمنحها الحرية يشبه من يطلق طفلاً صغيراً في صحراء شاسعة ثم يطلب منه أن يعتمد على نفسه. فالحرية دون القدرة على البقاء ليست حرية، بل هلاك مؤكد.

والأمر نفسه ينطبق على إطلاق عصبات الأسماك الصغيرة في الأنهار دون دراسة بيئية حقيقية. فهذه الأسماك لا تتحول إلى ثروة سمكية كما يعتقد البعض، بل تصبح في كثير من الأحيان وجبة غذائية فورية للأسماك الأكبر حجماً، وعلى رأسها أسماك البلطي المنتشرة بكثافة في بعض المناطق، فضلاً عن الأنواع المفترسة الأخرى التي تلتهمها خلال وقت قصير.

إن حماية البيئة لا تتحقق بالعواطف أو بالصور التذكارية ومقاطع الفيديو المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بالعلم والتخطيط والدراسات البيئية المتخصصة. فإطلاق البط الداجن في الأنهار ليس دعماً للطبيعة، بل إعداماً بطيئاً لكائنات فقدت القدرة على العيش بعيداً عن الإنسان. وإطلاق الأسماك الصغيرة بطريقة عشوائية ليس تنمية للثروة السمكية، بل توفير غذاء مجاني للمفترسات المائية.

لذلك ينبغي على الجهات البيئية والإعلامية ومنظمات الرفق بالحيوان إطلاق حملات توعية جادة لوقف هذه الممارسات الخاطئة، لأن النوايا الحسنة لا تمنع الكارثة عندما تكون الأفعال مبنية على الجهل بطبيعة الكائنات الحية ومتطلبات بقائها. فالحياة البرية لها قوانينها الخاصة، ومن يتجاهل هذه القوانين لا يصنع حياة جديدة، بل يرسل مخلوقات بريئة إلى موت شبه مؤكد.