الامام أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام (يوم ينفع الصادقين صدقهم)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “قَالَ اللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” ﴿المائدة 119﴾ الصَّادِقينَ: من صدق ربه في عبادته و حده. قال الله تعالى لعيسى عليه السلام يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدهم ربهم، وانقيادهم لشرعه، وصدقهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، لهم جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، رضي الله عنهم فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه. ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم.

وقال الامام الصادق عليه السلام (إنما سميت فاطمة، لأن الخلق فطموا عن معرفتها). في رواية عن الإِمام الصادق عليه السلام أنَّهُ قال: (لا تستصغر مودّتنا فإِنّها مِن الباقيات الصالحات). يقول الشيخ حسن العامري: يقول الامام الصادق عليه السلام (من عرف فاطمة حقّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر) هنالك ارتباط بين فاطمة وليلة القدر اشارة بعدم معرفة حقيقتها كما أن ليلة القدر لم تعرف حقيقتها “لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ” (القدر 3). وورد ان ليلة القدر فاطمة عليها السلام، أما أيام الاسبوع تنسب الى أهل البيت مثل السبت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. والأحد لامير المؤمنين والاثنين للحسن والحسين عليهم السلام وهكذا. الله تعالى هو من عرف فاطمة على أنبيائه بمقاماتها. قال الإمام الصادق عليه السلام (انه ما تكاملت نبوة نبي من الأنبياء حتى أقر بفضلها ومحبتها وهي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الاولى) أي من آدم الى محمد عليهم السلام. قال الإمام مالك بن أنس: (ولقد كنتُ أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة والتبسّم فإذا ذُكِرَ عنده النبيّ صلى الله عليه وسلّم اصفرَّ، وما رأيته يُحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلاّ على طهارة، ولقد اختلفتُ إليه زماناً، فما كنت أراه إلاّ على ثلاث خصال إما مصلياً وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعبّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ).

وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “قَالَ اللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ” ﴿المائدة 119﴾ لما بين عيسى بطلان ما عليه النصارى “قال الله” تعالى: “هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم” ﴿المائدة 119﴾ يعني: ما صدقوا فيه في دار التكليف، لأن يوم القيامة لا تكليف فيه على أحد، ولا يخبر أحد فيه إلا بالصدق، ولا ينفع الكفار صدقهم في يوم القيامة، إذا أقروا على أنفسهم بسوء أعمالهم. وقيل: إن المراد بصدقهم تصديقهم لرسل الله تعالى وكتبه. وقيل: إنه الصدق في الآخرة، وإنه ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله. فعلى هذا يكون المراد به صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ “لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا” ﴿المائدة 119﴾ أي: دائمين فيها في نعيم مقيم لا يزول “رضي الله عنهم” ﴿المائدة 119﴾ بما فعلوا “ورضوا عنه” بما أعطاهم من الجزاء والثواب “ذلك الفوز العظيم” هو ما يحصلون فيه من الثواب.

روي عن الامام الصادق عليه‌ السلام قال: (صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر، وكنت أنا أصلي المغرب إذا غربت الشمس، وأصلي الفجر إذا استبان لي الفجر. فقال لي الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع؟ فإن الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا، وهي طالعة على قوم آخرين بعد. فقلت: إنما علينا أن نصلي وإذا وجبت الشمس عنا وإذا طلع الفجر عندنا، وعلى اولئك أن يصلوا إذا غربت الشمس عنهم). يستدل الرجل على مراده باختلاف المشرق والمغرب الناشئ عن استدارة الارض، ويقره الامام عليه‌ السلام على ذلك ولكن ينبهه على وظيفته الدينية.

أمر عيسى عليه السلام تلامذته بتبليغ رسالته الى بني اسرائيل وهو القائل (اذهبوا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) وكما جاء في القرآن الكريم”ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم” (ال عمران 49). قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: إن حواري عيسى عليه السلام كانوا شيعته. وكذلك يقول عليه السلام: وإن شيعتنا حواريونا. فكما فضَّل الله تعالى محمداً وآله على جميع الأنبياء، فضَّلَ شيعتهم على شيعة جميع الأنبياء.

قال ابن حجر في حق الإمام الصادق عليه السلام‏ في معرض كلامه عن الإمام الباقر عليه السلام: (توفّي سنة سبع عشرة ومئة عن ثمان وخمسين سنة مسموما كأبيه، وهو علوي من جهة أبيه وأمه، ودُفن أيضا في قبة الحسن والعباس بـالبقيع، وخلف ستة أولاد أفضلهم، وأكملهم جعفر الصادق، ومن ثم كان خليفته ووصيه، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريج، والسفيانين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السختياني). الأستاذ أسد حيدر يقول عن الامام جعفر الصادق عليه السلام: (كان يؤم مدرسته طلاب العلم ورواة الحديث من الأقطار النائية، لرفع الرقابة وعدم الحذر فأرسلت الكوفة، والبصرة، وواسط، والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها، ومن كل قبيلة من بني أسد، ومخارق، وطي، وسليم، وغطفان، وغفار، والأزد، وخزاعة، وخثعم، ومخزوم، وبني ضبة، ومن قريش، ولا سيَّما بني الحارث بن عبد المطلب، وبني الحسن بن الحسن بن علي). يقول المستشار عبد الحليم الجندي: (الامام جعفر الصادق نتاج قرن كامل من العظائم يحني لها الوجود البشري هاماته ويدين بحضاراته، فاتح العالم الفكري الجديد، شجرة باسقة تترعرع في كل ورقة من اوراقها خصيصة من خصائص أهل البيت في عصر جديد للعلم، تعاونت فيه أجيال ثلاثة متتابعة منه ومن أبيه وجده).

قوله تعالى “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر 28) قال الامام الصادق عليه السلام عن هذه الآية المباركة: يعني بالعلماء من صدق فعله قوله و من لم يصدق فعله قوله فليس بعالم. جاء في اصول الكافي عن الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن اهمية العلم (اذا رأيتم العالم محبا لدنياه فاتهموه علي دينكم فإن كل محب لشيء يحوط ماأحب)، و (يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد)، و (من حف من أحاديثنا أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة عالما فقيها)، و (وجدت علم الناس كله في أربع: أولها أن تعرف ربك و الثاني أن تعرف ما صنع بك و الثالث أن تعرف ما أراد منك، و الرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك).