أحمد عبد الحسين
كتاب “التوحيد للمفضل بن عمرو” كتاب مشهور، لكنّه قلّما قُرئ أو استُشهد به حتى من قبل “متديّني” الشيعة فضلاً عن القرّاء الآخرين من المثقفين الذين لا تستهويهم الكتب الدينية عادة، وإنْ قرأوها فبكثيرٍ من الصدود الوجدانيّ لأسباب معروفة.
“التوحيد للمفضل بن عمرو” هو في الحقيقة ليس للمفضل بن عمرو، واسم الكتاب الأصل ليس “التوحيد”.
مؤلف الكتاب هو جعفر بن محمد الصادق أملاه على المفضّل في أربعة نهارات، من الصباح إلى صلاة الظهر. واسم الكتاب كما أثبته العلماء الأوائل هو “كتابُ فَكّرْ”. وما أجمله من اسم. أحبّ اسم “فكّرْ” ربما لإنه يذكرني بالكلمة الأولى في الوحي “اقرأ”، وربما لأنّ الحثّ على التفكير ضئيل عندنا قديماً وحديثاً.
بداية كتاب “فكّرْ” صادمة. يلتقي المفضل بالملحد الأشهر في زمنه “ابن أبي العوجاء”. فيتكلم ابن أبي العوجاء عن أن محمداً نبيّ المسلمين فيلسوف ذكيّ استطاع أن يربط العالم كلّه باسمه وأن يقنع الخلق بوجود عالم آخر وجنةِ ونار وبإله قادر على كل شيء. كان في نبرته شيء من السخرية وإنْ مُزجتْ باحترامه لذكاء النبيّ. وككل شابّ مؤمن “في كل الأزمنة” تثور ثائرة المفضل ويصرخ في وجه ابن أبي العوجاء بكلمات هي عينها التي نسمعها اليوم في فيسبوك من قبل المتدينين رداً على الملاحدة “يا عدوّ الله، يا كافر، أكفرت بمن خلقك؟ لعنك الله”، فيردّ عليه ابن أبي العوجاء بهدوء: “يا هذا، إن كنت متكلماً كلمناك” ثم يخجله بأن يعقد مقارنة بينه وبين إمامه فيقول له:
“وإنْ كنتَ من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا تخاطبنا، ولا بمثل دليلك تجادل فينا، ولقد سمع الصادق من كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تعدّى في جوابنا وإنه للحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق. يسمع كلامنا، ويصغي إلينا ويتعرّف حجتنا”.
خجل المفضل من نفسه “وليت الفيسبوكيين المتدينين يخجلون أيضاً” فذهب كئيباً إلى إمامه وقصّ عليه حكايته. فقال له الإمام الصادق تعال غداً لأحدثك. فسأله المفضل: هل أدوّن ما تقول. فاذن له الإمام. وفي أربعة أيام متتالية، ولد هذا الكتاب العظيم، كتاب “فكّرْ”.
اسم الكتاب مأخوذ من فعل الأمر الذي يكرره الإمام على المفضل كثيراً، مطالباً إياه بأن يفكّر في الموجودات من قبيل:
ـ فكّرْ يا مفضلُ في وصول الغذاء إلى البدن.
ـ فكّرْ يا مفضلُ في ما للأطفال في البكاء من المنفعة.
ـ فكّر يا مفضلُ في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان.
ـ فكرْ يا مفضل في الجفن على العين كيف جُعل كالغشاء.
وكثير جداً من عبارات على هذه الشاكلة.
ميّزة التوحيد الصادقي في هذا الكتاب أنه يبدأ من الكثرة وصولاً للوحدة، يبدأ من تفاصيل الموجودات وخصائص كلّ منها، ومن الاختلاط والتجزّئ والانحلال ومن كل ما يبدو اعتباطاً وخبط عشواء وصولاً إلى ترميم ذلك في بناء كلّيّ لدى من يسمعه.
وبحسب فهمي فإنّ الإمام أراد ذلك لأنّ أقوى براهين الملحدين عادة تنطلق من هذه الكثرة ومن رؤية غياب الانتظام في العالم للدلالة على عدم وجود صانع وراءه. غير انّ الانتقال من الكثرة إلى الوحدة ومن الاعتباط للانتظام يستلزم ذهنا قادراً على جمع هذه الأجزاء. وهذا الاستلزام هو الأصل في تكرار كلمة “فكّرْ”.
يوجز الإمام الخطوة التي يجب أن تعقب كل هذه التفاصيل والكثرة وتحويلها في الذهن إلى دلائل على الوحدة، بقوله: “يا مفضل أول العبر والدلالة على الباري جلّ قدسه تهيئةُ هذا العالم وتأليف أجزائه و نظمها على ما هي عليه، فإنك اذا تأملت العالم بفكرك وخبرتَ به بعقلك، وجدته كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده”.
ومن أوضح الأمثلة على هذه الخطوة الضرورية للانتقال من التفصيل إلى الكليّ هذه العبارة الجميلة:
“فكّرْ لِمَ لا يتشابه الناسُ واحدٌ بالآخر كما تتشابه الوحوش والطير؟ فإنك ترى السرب من الظباء والقطا تتشابه حتى لا يفرّق بين واحد منها وبين الآخر، وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم، حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفه واحدة. والعلّة في ذلك أن الناس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم”.
التعارف عبر الاختلاف. هذا مبدأ مركوز في أصل الخلق ومؤداه أن الاختلاف هو سبب التعارف، والتعارفُ هو المعرفة. فلا معرفة إلا بتعارف بين مختلفين. وفيه وردتْ الآية القرآنية “..وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ..”.
وبالمناسبة فإنّ هناك فرقة في الإسلام ظُلمتْ كثيراً وسمّيتْ بالشعوبية، وأصحابها بالشعوبيين، وشنّع عليهم أنهم يفضلون الفرس على العرب، والأمر طبعاً ليس صحيحاً لكنه من ضمن الشائعات التي صارتْ مسلّمات وصدّقها الجميع بفضل تلقين السلطة وإذعان المثقفين لسطوة الشائع كما هو حالهم قديماً وحديثاً.
فهؤلاء إنما سموا آنذاك بالشعوبيين لاستشهادهم المتكرر بهذه الآية “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”. وبديهيّ أن فرقة يرتبط اسمها بهذه الآية لا يمكن أن تفضّل عرقاً على عرق! لكنّ لهذا حديثاً آخر.
اليوم ذكرى استشهاد الإمام الصادق عليه السلام فتذكرت كتابه العظيم هذا، كتاب “فكّرْ”.. ففكّرْ!