سوق الشورجة من جهة شارع الرشيد ببغداد سنة 1959
إيهاب مقبل
حين يُذكر ما تعرض له الأكراد الفيليون في العراق خلال حكم حزب البعث، تتكرر تفسيرات تربط ما حدث بالشعارات السياسية أو الطائفية أو اعتبارات الأمن القومي. غير أن قراءة أكثر تركيبًا تشير إلى أن الاقتصاد كان عنصرًا مركزيًا، ولو غير معلن، في فهم هذه التحولات، حيث تداخلت اعتبارات الدولة مع إعادة توزيع النفوذ والثروة داخل المجتمع.
هوية تاريخية أصيلة ودور اقتصادي مبكر
الأكراد الفيليون يُعدّون جزءًا أصيلًا من النسيج التاريخي والاجتماعي في العراق، إذ تعود جذور وجودهم إلى فترات سابقة على تشكل الدولة الحديثة، حيث استقروا تدريجيًا على امتداد المناطق الحدودية بين العراق وإيران، ثم توسع حضورهم داخل المدن، خصوصًا بغداد خلال العهد العثماني.
ومع مرور الزمن، اندمج الفيليون في البنية الاقتصادية للمدن العراقية، وبرزوا بشكل خاص في التجارة والأسواق الكبرى مثل الشورجة، حيث نشطوا في تجارة المواد الغذائية والأقمشة والاستيراد والتصدير، وساهموا في ربط الاقتصاد المحلي بشبكات إقليمية واسعة.
تشكل النفوذ التجاري ومسار الصعود
تاريخيًا، ساهم الموقع الجغرافي للفيليين على الحدود العراقية–الإيرانية في تطوير دورهم التجاري، إذ لعبوا دور الوسيط في حركة البضائع بين السوقين. ومع التحولات الاقتصادية في القرن العشرين، خاصة بعد عام 1948 وهجرة بعض التجار اليهود إلى ما يسمى “إسرائيل”، برز الفيليون كجزء من الفاعلين الذين ملأوا فراغًا في بعض القطاعات التجارية داخل بغداد.
هذا التوسع لم يكن نتيجة عامل واحد، بل تراكم خبرات شبكية وتجارية جعلتهم فاعلين أساسيين في السوق، وليس مجرد أقلية اقتصادية هامشية.
بين الدولة والمجتمع: من الاندماج إلى التوتر
شهدت مرحلة حكم عبد الكريم قاسم بعد 1958 نموذجًا أقرب إلى الاندماج، حيث جرى التعامل مع الفيليين باعتبارهم جزءًا من المواطنة العراقية دون تمييز قانوني واضح، وحظيت قطاعات منهم بقبول سياسي واجتماعي ضمن خطاب وطني جامع.
لكن مع التحولات السياسية اللاحقة، وخاصة صعود نظام حزب البعث، الذي جاء عبر مسار سياسي تصادمي مع المراحل السابقة، أصبح منطق الدولة أكثر مركزية وأمننة، ما انعكس على طريقة إدارة التنوع الاجتماعي، ومنها وضع الفيليين.
الاستقلال الاقتصادي وحدود الدولة المركزية
كان الأكراد الفيليون يشكلون شريحة تجارية مؤثرة تمتلك شبكات اقتصادية تتجاوز الإطار المحلي للدولة، خصوصًا في الربط بين العراق وإيران. هذا النوع من النشاط الاقتصادي المستقل نسبيًا عن الدولة جعلهم فاعلين في السوق، لكنه في الوقت نفسه وضعهم ضمن منطق الدولة المركزية التي تميل إلى ضبط كل مراكز القوة الاقتصادية.
وهنا يمكن فهم أن التوتر لم يكن بسبب الثروة بحد ذاتها، بل بسبب طبيعة الاستقلال الاقتصادي الذي لا يمر بالكامل عبر مؤسسات الدولة.
الصابئة كجزء أصيل من العراق ودلالة المقارنة
إلى جانب الفيليين، تُعد الصابئة المندائيون من أقدم المكونات التاريخية في العراق، مع حضور ممتد منذ حضارات وادي الرافدين، قبل تشكل الدولة الحديثة بقرون طويلة. وقد اشتهروا تاريخيًا بصياغة الذهب والمجوهرات، ولعبوا دورًا اقتصاديًا واضحًا في الحياة الحضرية، خاصة في بغداد.
تُستخدم المقارنة بين الصابئة والفيليين هنا ليس للمساواة بين التجربتين، بل لفهم كيفية إدارة الدولة للتنوع الاجتماعي، حيث لا تكون الثروة وحدها معيارًا للتعامل، بل تتداخل معها اعتبارات الحجم الاجتماعي، والتموضع السياسي، وقابلية التصنيف الأمني.
لماذا اختلف المسار بين الفيليين والصابئة؟
يمكن تفسير الاختلاف في طبيعة التعامل من خلال عدة عوامل: كان الفيليون جماعة أكبر عددًا، ومتمركزة في بغداد، ويمكن ربطها بسرديات سياسية وأمنية، كما أن وجود امتداد جغرافي لهم نحو إيران جعلهم، في سياق الصراعات الإقليمية، أكثر عرضة للتصنيف الأمني الجماعي. في المقابل، كان الصابئة أقلية صغيرة بلا امتداد قومي أو دعم خارجي، ونشاطهم الاقتصادي محدود في قطاعات مهنية يمكن تنظيمها دون الحاجة إلى تفكيك اجتماعي واسع.
الطبقات الشيعية في بغداد: تمايز بين الهوية والاستهداف
إلى جانب الأكراد الفيليين في العراق، كانت بغداد تضم طبقات شيعية عربية واسعة ومتنوعة، تشمل تجارًا واقتصاديين، شكلوا جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة خلال فترة حكم حزب البعث.
هؤلاء لم يُستهدفوا ككتلة اجتماعية أو طائفية موحدة، ولم يتعرضوا لسياسات تهجير جماعي على أساس الهوية، بل ظلوا داخل البنية المدنية والاقتصادية للدولة. ومع ذلك، فإن وجودهم كان خاضعًا لمنظومة مختلفة من الضبط، تمثلت في الرقابة السياسية وإجراءات الولاء الحزبي، حيث كان الاستقرار الوظيفي أو المهني في كثير من الأحيان مرتبطًا بدرجة القرب من الدولة أو الحياد السياسي.
وبهذا المعنى، فإن التجربة تشير إلى أن أنماط الاستهداف في تلك المرحلة لم تكن قائمة على معيار طائفي شامل، بل كانت تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية مع البعد الاقتصادي والاجتماعي، حيث جرى التعامل مع الفئات المختلفة بطرق متباينة بحسب موقعها داخل بنية الدولة ومدى استقلالها أو اندماجها فيها.
من سحب الجنسية إلى إعادة تشكيل الواقع الاقتصادي
بدأت عملية الإقصاء بإجراءات قانونية تمثلت في سحب الجنسية عن أعداد كبيرة من الفيليين، ما حوّلهم من مواطنين إلى “أجانب”، وهو تحول قانوني أساسي مهّد لاحقًا لمصادرة الممتلكات.
ثم جاءت عمليات التهجير خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حيث تم ترحيل أعداد كبيرة إلى إيران، في سياق تحولات سياسية وأمنية متصاعدة في المنطقة، خصوصًا مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، والتي أعادت تشكيل الكثير من البنى الاقتصادية والاجتماعية داخل العراق.
إعادة توزيع الاقتصاد كأثر بنيوي
مع مرور الوقت، أسفرت عمليات المصادرة والتهجير عن إعادة توزيع واسعة للممتلكات داخل الاقتصاد العراقي، حيث انتقلت أصول وأملاك كبيرة إلى دوائر وشبكات مرتبطة بالدولة في سياق التحولات التي رافقت مرحلة الصراع، ولا سيما خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية. وقد تعزز هذا المسار في ظل الضغوط الاقتصادية الحادة التي فرضتها الحرب، ما جعل إعادة توزيع الموارد لا تبدو كحدث عابر، بل كأثر بنيوي أعاد تشكيل جزء من خريطة الملكية والنفوذ الاقتصادي داخل البلاد.
الرقابة الاجتماعية في التسعينيات: بين الدولة والحياة الخاصة
في التسعينيات، ومع تشدد القبضة الأمنية وتدهور الظروف الاقتصادية في العراق، امتدت الرقابة إلى بعض تفاصيل الحياة الاجتماعية، بما في ذلك الزواج في حالات محددة ذات حساسية اجتماعية أو أمنية.
وتشير بعض الشهادات إلى أن بعض حالات الزواج المختلط، مثل “زواج عربي سني من كردية فيلية شيعية”، كانت أحيانًا تتطلب استعلامًا أمنيًا ضمن إجراءات غير موحدة، خصوصًا في الحالات المرتبطة بسجلات أمنية أو ملفات تهجير سابقة. ولم تكن هذه القواعد قانونًا عامًا معلنًا بقدر ما كانت ممارسة إدارية–أمنية انتقائية تختلف من حالة إلى أخرى.
وفي عدد من الحالات المتداولة في شهادات تلك المرحلة، يُذكر أن هذه الإجراءات كانت قد تنتهي عمليًا، بعد فترات انتظار طويلة، إلى الحصول على الموافقة مقابل ترتيبات غير رسمية أو دفع مبالغ مالية (رشاوى) ضمن ما كان يُوصف بأنه “تسهيل” للإجراءات داخل بعض الدوائر الأمنية، وهو ما يعكس الطابع غير المؤسسي والانتقائي لتطبيق تلك الممارسات.
هذا المناخ عمّق شعور الهشاشة القانونية لدى بعض الفئات التي كانت أصلًا قد مرت بتجربة سحب الجنسية والتهجير، ما جعل الحياة الخاصة، حتى في أبسط صورها مثل الزواج، جزءًا من منظومة رقابة غير مباشرة تمارسها الدولة عبر أدواتها الأمنية والإدارية.
ومع ذلك، فإن الصورة لم تكن واحدة على جميع الأكراد الفيليين، إذ إن بعضهم كان يعيش حياة يومية طبيعية نسبيًا داخل المجتمع العراقي، يعملون ويتنقلون ويؤسسون عائلاتهم دون احتكاك مباشر دائم مع الأجهزة الأمنية، خصوصًا في الفترات أو المناطق التي لم تكن خاضعة لتدقيق أمني مكثف. لكن هذا الاستقرار النسبي كان هشًا، ويمكن أن يتغير بسرعة إذا ارتبطت الحالة الفردية بملف أمني أو إداري قديم، ما جعل الاستثناءات جزءًا من نظام رقابة أوسع لا يلغي وجود الحياة الطبيعية بل يحيطها باللايقين.
ما المطلوب من الدولة اليوم؟
من منظور العدالة الانتقالية، فإن معالجة ملف الأكراد الفيليين في العراق تتطلب الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى إجراءات عملية شاملة.
أولًا، ينبغي تعزيز التعويضات الفعلية عن الممتلكات المفقودة والحقوق المصادرة، بما يتجاوز الخطاب الرمزي إلى آليات قانونية واضحة.
ثانيًا، يتطلب الأمر تسريع حل قضايا الجنسية واستعادة الوثائق الرسمية لضمان الحقوق القانونية والمدنية.
ثالثًا، يمكن إنشاء صندوق وطني خاص بضحايا التهجير يتولى ملف التعويض وإعادة التأهيل بشكل مؤسسي ومستدام.
رابعًا، من المهم دعم إعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفيليين عبر تسهيل عودتهم إلى النشاط التجاري والوظيفي.
خامسًا، ينبغي حماية الهوية الثقافية للفيليين بوصفهم مكوّنًا أصيلًا من مكونات المجتمع العراقي، بما يضمن صون الذاكرة التاريخية والتنوع الاجتماعي.
الخلاصة
إن تجربة الأكراد الفيليين في العراق لا يمكن اختزالها في تفسير سياسي أو طائفي واحد، بل هي نتاج تداخل معقد بين التاريخ والاقتصاد وبنية الدولة. فقد تحولت جماعة اجتماعية أصيلة وفاعلة اقتصاديًا إلى جزء من عملية إعادة تشكيل قسرية للعلاقات بين الدولة والمجتمع، حيث تداخلت أدوات القانون والأمن مع اعتبارات الإدارة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، تبدو التجربة أقرب إلى نموذج تتقاطع فيه الهوية مع الاقتصاد داخل منطق الدولة المركزية، أكثر من كونها صراعًا خطيًا بسيطًا على أساس الانتماء وحده.
وفي النهاية يبقى السؤال التحليلي الأهم: هل كان ما حدث تعبيرًا عن صراع هوية فقط، أم أنه ارتبط أيضًا بإعادة توزيع قسرية للنفوذ الاقتصادي داخل بنية الدولة؟
انتهى