العراق دولة تحت الاختبار _١

العراق: دولة تحت الاختبار
الحلقة الأولى: ولادة الوعي من رماد “التبعية”

كتب رياض الفرطوسي

لا يمكن فهم الانكسارات البنيوية التي أصابت جسد الدولة العراقية الحديثة دون النبش في ركام تسعينيات القرن الماضي؛ تلك الحقبة التي لم تكن مجرد تقويم زمني مثقل بالجوع والحصار، بل كانت “المختبر القاسي” الذي أُعيد فيه صياغة الهوية الوطنية تحت وطأة المطرقة والسندان. في أزقة مدن مثل كربلاء، حيث يتقاطع المقدس بالسياسي وتتماهى الذاكرة بالدم، لم يتشكل الوعي الجديد في قاعات الجامعات الرصينة أو خلف طاولات التنظير المترفة، بل وُلد في الشوارع التي شهدت سحق أحلام عام 1991. هناك، رأى الجيل الذي سيقود دفة التشريح الاجتماعي لاحقاً كيف تتحول الدولة من “مظلة جامعة” إلى “وحش ليفياني” بالمعنى الهوبزي، يمارس العنف المطلق لا لفرض النظام، بل لضمان بقاء السلطة على قيد التوحش.

لقد كان الاختبار العراقي عصيّاً على الفهم التقليدي للصراعات؛ إذ كشفت تلك المرحلة عن هشاشة مرعبة في “العقد الاجتماعي”. إن مأساة ما عُرف بـ “التبعية” والتهجير القسري لمئات الآلاف من العراقيين، بدعاوى عرقية وطائفية واهية، تمثل الذروة التراجيدية للفشل في بناء مواطنة عابرة للانتماءات الضيقة. هذه السياسة التي استهدفت تفتيت النسيج الداخلي، يحللها المؤرخ البريطاني “تشارلز تريب” بوصفها محاولة سلطوية لخلق “عدو داخلي” دائم، يُستثمر لتبرير القمع وشرعنة الاستثناء. في هذا الاختبار، لم تعد الهوية شعوراً دافئاً بالانتماء، بل تحولت إلى “تُهمة” تلاحق أصحابها، لدرجة أن العائلات العراقية ذات الأصول المتنوعة أتقنت فن “التقية الاجتماعية”، فخبأت لغاتها وتراثها خلف جدران الصمت الموحشة اتقاءً لشر التصنيفات الأمنية التي لا ترحم.

هذا الضغط الهائل، الذي كاد أن يسحق الروح الوطنية، هو ذاته الذي دفع بالوعي السياسي العراقي نحو “الهجرة المعرفية” صوب مراكز الأبحاث العالمية، من “ليدز” إلى “هارفارد”. هناك، حاول العقل العراقي المهاجر العثور على أدوات تفكيك لهذا المشهد العبثي، مستعيناً بنظريات “بينيديكت أندرسون” حول “المجتمعات المتخيلة”؛ ليكتشف أن العراق الذي نتخيله اليوم ليس هو ذلك الكيان الذي رسمته مساطر الخرائط الكولونيالية، بل هو عراق يتشكل الآن في مخيال الناس وسط صراع مرير بين الهويات الفرعية التي استيقظت فجأة من سباتها الطويل.

إن ما نسميه اليوم بـ “المحاصصة” ليس مجرد ترتيب سياسي عابر لتقاسم الغنائم، بل هو النتيجة المنطقية والمؤلمة لفشل الدولة التاريخي في اجتياز اختبار التنوع. لقد تم إحلال “دولة المكونات” محل “دولة المواطنة”، ليجد الجميع أنفسهم ينامون على “سرير المحاصصة” القلق، بانتظار لحظة صدق تاريخية تعيد تعريف الدولة بعيداً عن منطق “الغنيمة والسبايا”. إن هذا الوعي الذي عُجن بماء المأساة، هو الوحيد القادر اليوم على وضع “مبضع الجراح” فوق جسد الأزمات المزمنة، تمهيداً لفهم أعمق للانسداد السياسي الذي سيشكل محور نقاشنا في الحلقة القادمة، حيث سنتقصى كيف تحولت “الجغرافيا” من حضن للوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات.

يتبع..