رياض سعد
لم تكن العلاقة بين عائلة الشيخ رضوان وعائلة السيد رحيم حادثةً عابرة في سجلّ الزمن , أو مجرد صلة عابرة , بل كانت جذورًا ضاربة في تربة بعيدة ،و أشبه بخيطٍ خفيٍّ يمتدّ من طين ميسان إلى إسفلت بغداد، ومن ذاكرة الأجداد إلى قلق الأبناء… ؛ في تلك الديار الجنوبية، حيث النخيل يميل كأنه يصغي لسرّ الأرض … ؛ سكن أجداد السيد رحيم في أراضي أجداد الشيخ رضوان، لا كغرباء، بل كامتدادٍ إنسانيٍّ طبيعي، حيث لم تكن الملكية تعني أكثر من الظلّ الذي يتقاسمه الناس …
ثم جاء عام 1958، وجاء معه قانون الإصلاح الزراعي ؛ فاقتُلعت الجذور من مواضعها، وهاجرت العائلتان إلى بغداد، فاهتزّ ذلك التوازن القديم… ؛ و لم تكن الهجرة إلى بغداد اختيارًا بقدر ما كانت اقتلاعًا هادئًا، اقتلاعًا لا يُسمع له صوت، لكنه يُحدث في الداخل صدعًا لا يُرى… ؛ سكنت العائلتان مدينة الثورة ؛ حيث تبدأ الحكايات من جديد، ولكن بنكهة الفقد … ، حيث البيوت متلاصقة كأنها تحتمي ببعضها من قسوة العالم، وحيث الفقر ليس عيبًا، بل لغة مشتركة .
كبر رضوان ورحيم في تلك الأزقة، وفي عقد الثمانينيات، ومع اشتداد قبضة السلطة، كان التدين بالنسبة لهما ليس مجرد التزام، بل ملاذًا داخليًا من عالمٍ يضيق …!!
ففي ثمانينيات القرن الماضي، انخرط رضوان ورحيم في سلك المتدينين، وذابا في معاني وقيم الالتزام الديني حتى كأنهما يبحثان عن معنى أعمق للحياة وسط ضجيج الخوف والرعب والجور والظلم والموت والحرب … ؛ كان رحيم أكبر من رضوان بعشر سنوات، لذا نظر إليه رضوان بعين الإجلال، لا لسنّه فحسب، بل لما يراه فيه من وقارٍ وعلمٍ ونقاء ؛ فضلا عن احترامه لانتسابه لال النبي … ؛ كان يسمع عنه كثيرًا، ويتوق للجلوس معه , والاستماع إليه، كما يتوق العطشان إلى جدول ماءٍ بعيد.. .
كان رضوان يسمع عن رحيم كما يُسمع عن حكيمٍ في حكاية: رجلٌ قليل الكلام، عميق النظرة، يختار كلماته كما لو كانت آخر ما سيقوله… ؛ كان يتوق لرؤيته، لا بدافع الفضول، بل كأن في داخله سؤالًا لا يجيب عنه إلا ذاك الرجل … .
وجاءت الفرصة … ؛ ففي مساءٍ ثقيلٍ بالخوف من ايام عام 1989، اجتمع خمسة رجال فقط في بيت الحاج جاسم… ؛ الباب أُغلق بإحكام، والنوافذ أُسدل عليها الستار… ؛ حتى الأنفاس كانت تُحسب… ؛ جلسوا على حصيرٍ بسيط، وفي الزاوية مصباح خافت يوزّع ضوءًا متردّدًا، كأنه يخشى أن يُكتشف … ؛ كانت الوجوه شاحبة، لا من قلة الحضور، بل من ثقل الخوف؛ إذ كانت العيون تُراقب، والجدران لها آذان… ؛لمعرفتهم بالعقاب القاسي الذي ينتظرهم من سلطة البعث وصدام، الذي كان يكنّ كراهية منقطعة النظير للدين والملتزمين دينيًا في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم… ؛ هناك، ألقى السيد رحيم محاضرة دينية قصيرة، قال فيها بصوتٍ هادئ كأنّه يخشى أن يوقظ الرعب النائم ؛ وهذا بعض ما قاله السيد رحيم فيها، إذ خطب في الحاضرين قائلاً : (( الغاية السامية من تنزيل الكتب السماوية وبعث الأنبياء وإرسال الرسل إنما تنحصر في تهذيب أخلاق الناس وحثهم على الالتزام بمكارم الأخلاق… ؛ لذا جاء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”… ؛ وصدق الشاعر عندما قال :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا
نعم، ما قيمة الإنسان من دون أخلاق وضمير ووِحْدان؟!
لذا قال الشاعر :
ليس كل من مات فاستراح بميت *** إنما الميت ميت الأحياء
ولعل الفارق الجوهري بين الإنسان والحيوان بعد العقل هو الأخلاق، فالأخلاق والقيم الإنسانية هي الأخرى تميز الإنسان عن الحيوان… ؛ لذا تلاحظ أن المجتمعات والبيئات البشرية التي لا تلتزم بالقوانين والقيم والمثل الأخلاقية والإنسانية تكون الحياة فيها أشبه بالجحيم، إذ تكثر فيها الجرائم والموبقات والأوضاع السيئة، وكأن الناس فيها يعيشون في غابة … )) .
توقّف قليلًا، ثم أضاف : (( قد يعيش الإنسان بلا مال، بلا وطن، لكنه لا يعيش بلا ضمير… لأن الضمير هو الوطن الأخير ))
تسللت الكلمات إلى قلب رضوان، لا كفكرة، بل كقارب نجاة … ؛ بعد المحاضرة، اقترب منه، صافحه، فتلقاه رحيم بابتسامةٍ شفافة، كأنها لم تعرف الحزن يومًا… ؛ لكن الزمن كان يعدّ لهما امتحانًا لا يشبه الكلمات … ؛ فالمسافة بين الكلمات وبين الابتلاءات والصدمات والاختبارات شاسعة ؛ كما ان الافعال قد تؤيد الاقوال وقد تسلبها معانيها … .
صافحه… ؛ شعر أن يده دافئة على غير العادة، كأنها تحمل شيئًا من طمأنينةٍ نادرة… ؛ ابتسم له رحيم، وقال :أهلاً بك… كأنني أعرفك .
تلك الجملة الصغيرة ظلّت في ذاكرة رضوان سنوات طويلة …
وبعدها لم يرَ رضوان السيد رحيم… ؛ ففي عام ١٩٩١ اندلعت الانتفاضة العراقية ضد السلطة البعثية و كادت تطيح بحكم صدام ؛ لولا أن سمح الأمريكان للنظام القمعي باستخدام الطيران والأسلحة الثقيلة والصواريخ… ؛ إذ قامت الأجهزة الأمنية القمعية والقطعات العسكرية بقمع الانتفاضة التي شارك فيها السيد رحيم في شارع الجوادر، بينما شارك رضوان في شارع الداخل من مدينة الثورة، إذ شاركا جموع المنتفضين والثائرين وهم يهتفون: (( لا إله إلا الله صدام عدو الله… ماكو ولي إلا علي ونريد حاكم جعفري… يا بغداد دوري دوري خلي صدام يلحك نوري … ))… في شارع الجوادر، كان رحيم بين الجموع، وجهه مشدود، لكن عينيه ثابتتان… ؛ وفي شارع الداخل، كان رضوان يركض مع الآخرين، يشعر أن الأرض تهتزّ تحت قدميه، لا من الرصاص، بل من كثافة اللحظة …
لم تكن الانتفاضة مجرد حدث سياسي، بل كانت انفجارًا داخليًا لجيلٍ كامل… ؛ خرج الناس إلى الشوارع، لا لأنهم واثقون من النصر، بل لأنهم سئموا الخوف… ؛ كانت الهتافات ترتفع من الحناجر كأنها صلاةٌ جماعية …
ثم…, انكسر كل شيء … ؛ عادت الدبابات، وانتشرت قوات الطوارئ , وعاد الصمت، وعاد الخوف مضاعفًا … .
اختفى رحيم وتوارى عن الانظار … ؛ لم يعرف أحد أين ذهب… ؛ قيل إنه في ميسان، وقيل إنه قُتل، وقيل أشياء كثيرة، لكن الحقيقة الوحيدة كانت غيابه … ؛أما رضوان، فقد شفع له صغر سنه؛ إذ لم يشك به أحد، ولم يره أحد ممن يعرفونه ؛ بقي رضوان ،و كأن الحياة اختارته شاهدًا … .
مرت الايام والتحق السيد رحيم بالحوزة العلمية في النجف الاشرف ؛ وكذلك التحق الشيخ رضوان بالدراسة الدينية في النجف الأشرف إذ صار يتردد عليها بين الحين والآخر …
بعد سنوات، التقيا في النجف الاشرف ؛ عند مرقد الامام علي بن ابي طالب , حيث تختلط الدموع بالدعاء، ويصبح الزمن أقل قسوة… ؛ رأى رضوان رحيم من بعيد، عرفه رغم التغيّر؛ نفس المشية، نفس الانحناءة الخفيفة في الكتفين، لكن الوجه… كان يحمل تعبًا لا يُقال …
وسلم أحدهما على الآخر… ؛ وذهبا معاً إلى مدرسة اليزدي الدينية … ؛جلسا في مدرسة اليزدي… ؛ وُضع أمامهما صحن بسيط من الطعام: خبز، قليل من الرز، وبعض الشاي …
قال رضوان وهو يتأمله :أين اختفيت ؟!
أجاب رحيم بعد صمت : لم أختفِ… أنا فقط نجوت .
ثم أضاف بصوتٍ منخفض :لكن النجاة… ليست دائمًا خلاصًا .
ثم حكى له عن الاختباء، عن الليالي التي كان فيها يسمع وقع الأقدام في خياله، وعن الخوف الذي يتحول مع الوقت إلى عادة …
وقال :تعلمت أن أخاف حتى من الصمت… لأنه قد يكون فخًا …!!
ثم قال رضوان :ما لي أراك حزينًا مكتئباً، وأنت المعروف ببشاشة الوجه والمزاح وخفة الدم …؟!
أجابه رحيم، وقد شردت عيناه بعيدًا :أشعر أنني مراقَب هنا , وفي منطقتي عندما ازور أهلي خلسة … كأن الخوف صار ظلّي… .
قال رضوان محاولًا التخفيف :ربما هي أوهام ؛ أو تخيلات لا واقع لها.
ابتسم رحيم ابتسامةً مكسورة : وبعض الأوهام… أكثر واقعية من الحقيقة ؛ بل هي أشبه بالواقع…؛ طالما رأيت أشخاصاً مخيفين يمشون خلفي…!!
رضوان: فما العمل؟
رحيم: الله كريم …
افترقا، ثم رجع كل منهما إلى بيته في مدينة الثورة … ؛ لكن القلق لم يفترق عنه … .
انتشر خبر اعتقال محمد كاظم انتشار النار في الهشيم… ؛ وصل الخبر إلى السيد رحيم، ثم جاءه السيد سعد ,وجهه شاحب , يبلغه خطورة الموقف؛ فالكل يعرف العلاقة الوطيدة التي تربط محمد كاظم بالسيد رحيم .
قال سعد: “أخي العزيز رحيم، لا مقام لك بعد الآن في مدينة الثورة ولا في النجف الاشرف … ؛ أنت التالي… ؛ فإما أن يعترف عليك محمد كاظم تحت وطأة التعذيب، أو يقوم جواسيس الأمن ورفاق البعث بكتابة تقارير تكشف علاقتك القوية بمحمد كاظم والبحث عنك من جديد …
رحيم: وما العمل يا أخي ؟
سعد: اذهب الآن وفوراً إلى محافظة ميسان، وحلَّ ضيفاً في بيت الشيخ صاحب الدراجي، ثم رتب أمور الهجرة عبر الأهوار إلى إيران … .
رحيم: سأفعل الآن .
حين اعتُقل محمد كاظم، أدرك رحيم أن الدور قادم عليه و أن الدائرة تضيق… ؛ لم يكن الخوف من الموت، بل من أن يُنتزع منه ما بقي من ذاته تحت التعذيب… ؛ فاختار الهروب، لا نجاةً بالجسد، بل حفاظًا على ما تبقى من روحه .
في تلك الليلة، جلس مع أمه… ؛ كانت عيناها تلمعان بالدموع، لكنها لم تبكِ… ؛ و قالت له :اذهب… الله معك .
قبّل يدها، وشعر لأول مرة أن الرحيل ليس انتقالًا، بل اقتلاع جديد … .
أعدّ الحقيبة وحزم أمتعته، وودّع أخاه سعد وأباه وأمه بحرقة لا تخلو من رجاء… ؛ ثم استأجر سيارة أجرة ( تكسي ) إلى كراج النهضة. وعندما وصل إلى الكراج، صعد إحدى الحافلات المتجهة إلى ميسان …
صعد الحافلة… ؛ جلس قرب النافذة… ؛ حين تحركت، نظر إلى بغداد، لا كمدينة، بل كذاكرة … ؛ وسار الباص والسيد رحيم ينظر خلفه إلى بغداد كأنه يودعها الوداع الأخير… ؛ وبدأت الأفكار والذكريات تتوالى على ذهنه وخياله كأنها شريط سينمائي طويل… ؛ تذكر أيام الطفولة والصبا، أحاديث الأصدقاء، الحوزة العلمية في النجف الأشرف، أباه وأمه وأهله … ؛ ودون استئذان، جاءت ذكرى حبيبته سعاد التي أحبته وعشقها قبل أن ينخرط في دائرة التدين والالتزام الديني… ؛ تذكر عينيها الواسعتين اللتين كانتا تسألانه دائمًا: “لماذا تركتني؟” فأحس بغصة في حلقه، وأغلق عينيه ليحبس دمعة وشيكة … .
وقف الباص أربع مرات بسبب السيطرات الأمنية، وفي كل مرة يصعد فيها عناصر الأمن وعناصر الانضباط العسكري … ؛ و عند كل سيطرة، كان قلبه يخفق كأنه سيخرج من صدره… ؛ كان يتمتم بآية، لا لينجو، بل ليهدأ … ؛ اذ كان السيد رحيم يردد هذه الآية القرآنية كثيراً قبل الوصول إلى تلك السيطرات العسكرية والامنية : {وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون}…كانوا لا يطلبون من السيد رحيم هويته الشخصية… !!
والعجيب أن عناصر الأمن ورفاق البعث وعناصر الانضباط العسكري كانوا يستهزئون بهذه الآية القرآنية عندما يصعدون إلى الباصات من أجل التفتيش الروتيني، إذ يقولون وبنبرة استهزاء وتَهَكُّم: لا يفيدكم (إنا جعلنا من أيديهم سداً) ولا غيرها… ؛ كل هذه الأمور لا تؤثر علينا ولا تنجيكم من قبضتنا …!!
البعثيون والصداميون كانوا يسخرون، غير مدركين أن الإيمان ليس وسيلة نجاةٍ مادية، بل طريقة لتحمّل الخوف … .
وصل إلى ميسان واختبأ في دار الشيخ صاحب الدراجي ومكث هناك شهراً إلى أن تم الاتفاق مع المهربين لتهريبه وإخراجه من العراق إلى إيران عبر الأهوار …
في الليل، وتحت ضوء قمر شاحب، صعد رحيم في زورق “مشحوف” صغير، لا يحمل سواه والمهرب وصمت الليل الثقيل… ؛ كان صوت الماء الهادئ وهو يشق طريقه بين القصب هو موسيقى الرحلة الوحيدة… ؛ بدا له المشهد كله كحلم، بل ككابوس واقعي؛ رجل يفر من وطنه حاملًا روحه فقط… ؛ عبروا إلى الضفة الأخرى حيث فجر آخر ينتظر… ؛ وصل رحيم إلى إيران، وحيدًا غريبًا، لكن روحه وجدت في الغربة ما يشبه الأمان… ؛ فقد أكمل دراسته الدينية في الحوزة العلمية في قم المقدسة، وتزوج من بنت خاله التي هاجرت مع أبيها إلى إيران، وأنجبت منه خمسة أطفال… ؛ ثم مرت السنوات ثقيلة بطيئة، وهو يراقب العراق من بعيد كأم تنظر إلى ابنها المريض خلف زجاج المستشفى … .
وعاد السيد رحيم إلى العراق بعد سقوط النظام الصدامي الإجرامي , محملاً بذكريات الماضي وأحلام المستقبل… , لم يكن يحمل انتصارًا، بل تعب سنوات …
وقد هرع الشيخ رضوان إلى السيد رحيم فوجده مستأجراً بيتاً في مدينة الثورة… ؛ لم يكن البيت كبيرا , لكنه كان يحتوي على شيءٍ لا يُشترى: السكينة … ؛ وكذلك وجده كما هو لم يتغير … ؛ كان الشيخ رضوان يدرس في إحدى الكليات الدينية، فقام بإيجاد وظيفة تدريسية للسيد رحيم في نفس الكلية… ؛ وبعدها سعى الشيخ رضوان من أجل شراء بيت للسيد رحيم، فتم له ذلك …
قبل السيد رحيم الشيخ رضوان في جبينه وشكره، وقال له: «طالما مثلتَ أنت في حياتي محطات مهمة، إذ لك مكانة في قلبي كبيرة» ثم أهداه جوارب قطنية …
ضحك الشيخ رضوان على هذه الهدية في قرارة نفسه إلا أنه قبلها، لأنه لم ينظر إليها بل إلى شخص مهديها … ؛ وقد أدرك أن بعض الهدايا لا تُقاس بقيمتها، بل بما تختزنه من عاطفة نبيلة …
كلما ضاق رضوان ذرعًا بالناس والحياة، كان يهرب إلى رحيم… ؛ فعلى الرغم من صغر داره، إلا أن فيه طمأنينة عجيبة تسكن فيها نفس رضوان وتطمئن روحه…؛ كان بيت رحيم صغيرًا، لكن فيه شيء لا يُفسَّر … ؛ فحين يدخله الشيخ رضوان ؛ يشعر أن العالم يتراجع خطوة ؛ حتى الطعام البسيط في بيت رحيم، الذي تعده زوجته العلوية أم تقي، كانت له نكهة لذيذة ومميزة… ؛ وحتى قدح الشاي المهيل كان يختلف عن كل ما عداه… بل حتى الصمت هناك… كان مريحًا؛ وكأن الزمن يتوقف في بيت السيد رحيم، فيأخذ الشيخ رضوان أنفاسه في هذا البيت الذي هو له بمثابة استراحة المقاتل بعد معركة طويلة… ؛ نعم , هناك، كان الزمن يتباطأ، والشاي المهيل يصبح طقسًا من طمأنينة، والخبز الحار يتحول إلى معنى ؛ فضلاً عن النقاشات الفلسفية التي كانت تدور بينهما، ويستغرقان فيها حتى ينسيا كل شيء ما عدا المطالب الفلسفية …!!
وذات مساء، دار بينهما حديث طويل … ؛ اذ قال السيد رحيم: أنا لا أتصور مسألة حب الله وعشقه ، فالله لا يُعقَل فيه الحب… ؛ وكيف للإنسان أن يحب ما لا يعرف وما لا يعلم؟ وكيف يُحب ما لا يُدرك ؟ كيف نحب الله ونحن لا نعرفه ؟! فهل سمعت أن شخصاً أحب العدم أو اللاشيء؟!
فرد الشيخ رضوان: وهل الله لا شيء ؛ أو يدخل ضمن حيز العدم أو دائرته ؟!
السيد رحيم: كلا… ولكن الله ليس كمثله شيء، وبالتالي هو لا يشبه أي شيء يمكن أن يتصوره الإنسان، وبالتالي هو في هذا الفرض بالنسبة للإنسان كالعدم أو كأنه لا شيء …
فأجاب الشيخ رضوان: ليس الأمر كما تدّعي… ؛ فالله وصف نفسه بصفات تميزه عن غيره في الكتب السماوية أولاً… ؛ ومن خلال البحث العقلي عنه، والربط بين سمات الخالق والمخلوق، تثبت له صفات أيضًا… ؛ فالمصنوع الجيد يدل على الصانع الجيد، وكذلك المصنوع الرديء يدل على رداءة الصانع… ؛ فكذلك يمكن معرفة صفات الخالق من خلال النظر في سمات المخلوق… ؛ وعليه، فالله ميّز نفسه بواسطة الخلق والتكوين، وكذلك عن طريق الدين والتشريع ؛ عن بقية الخلق والأشياء… ؛ فهو معروف من جهة، ومجهول من جهة أخرى … ؛ولعل هذا الأمر هو ما يميزه .
ثم أضاف الشيخ رضوان : وهل كل حبٍ يحتاج إدراكًا كاملًا؟ ألسنا نحب أشياء لا نفهمها … ؛ وهل كل ما نحبّه نعرفه … ؛ أحيانًا نحب لأننا نشعر، لا لأننا نفهم ؟!
كرر السيد رحيم قوله : لكن الله ليس كمثله شيء …
قال رضوان : ولهذا يُحب… لأن القلب يميل إلى ما يسمو عنه , وإلى ما لا يُحدّ…
ثم قال السيد رحيم: هب أنك استطعت تمييز الله، فكيف لك أن تحبه؟ وهو أعلى من كل هذه المشاعر البشرية، ولا أعتقد أن العواطف الإنسانية تصل إليه …!!
فرد الشيخ رضوان: وكيف لا تصل إليه عواطف وأحاسيس بني البشر، وهو من أوجدها؟!
نحن هنا نتكلم عن إمكانية حب بني البشر له، وليس العكس… ؛ نعم، يستطيع الإنسان حب الله والاستئناس بذلك الحب، أو كما يطلق عليه البعض ‘العشق الإلهي’… ؛ وكون الله معروفًا من جهة ومجهولاً من جهة أخرى لا يضر ذلك شيئًا… ؛ فقد يعشق الإنسان شخصًا آخر لا يعرفه معرفة تفصيلية، بل معرفة إجمالية… ؛ و قد يعشق المرء إنسانًا لمجرد رؤيته من بعيد، أو سماع صوته، أو قراءة رسالته، أو ما خطه يراعه… ؛ وطالما أحب المرء إنسانًا لم يره، فكذلك يمكن للإنسان أن يحب الله على الرغم من معرفته الإجمالية به… ؛ لذا قال الشاعر المتأله الفيلسوف عمر الخيام: إن صوت الطبول في البعد أعذب … ؛ فالبعد عن إدراك حقيقة الله لا يعني عدم إمكانية حبه، بل على العكس، القلب يهوى كل بعيد وعالٍ وسامٍ …
صمت رحيم طويلًا …ولم يحر جواباً… ؛ وفي هذه الأثناء جاء السيد تقي ومعه الشاي والطعام… ؛ أكلا معاً وكأنهما في جنة الخلد … .
بعدها نظر السيد رحيم إلى الشيخ رضوان، وقال بهدوء :
ربما… نحن لا نحب الله لأننا نعرفه، بل لأننا نشعر بأننا، بدونه، لا نعرف أنفسنا …))
خارج البيت، كان العالم صاخبًا، متغيرًا، قاسيًا … ؛أما داخله فكان هناك شيء يشبه الخلاص …!!
نعم , لم يكن البيت مجرد جدران … كان معنى .
وعندما خرج الشيخ رضوان في ذلك المساء، ورفع بصره إلى السماء المرصّعة بالنجوم، تساءل في صمت داخلي: هل يمكن أن يكون الله، كما تخيّله يومًا، كائنًا يُحب؟!
أم أن معاناة الإنسان أعمق من أن تُحتضن بأي عاطفة، حتى لو كانت صادرة عن الخالق نفسه؟!
وهل يكفي هذا الحب—إن وُجد—ليخفف من وطأة المصائب والآلام، أم أن الإنسان يظلّ معلقًا بين رجائه وخوفه، باحثًا عن معنى لا يُدرك تمامًا؟