جنود الطين وضباط الذهب : سوق الاجساد المنهكة في جمهورية الفوضى

رياض سعد

مقدمة: صباحُ الأحدِ المُثْقَلِ بالرِّيبة
يُطِلُّ علينا صباحُ الأحدِ لا كباقي أيام الأسبوع، بل بوصفه موعدًا مع استفتاءٍ وجودي على جسد الأمة العراقية … ؛ إنه يوم التصويت على “التجنيد الإلزامي”.
لا تنخدعوا بالمُسمَّى البرَّاق “خدمة العلم”، فما يُطبَخ في مطابخ التشريع العراقي ليس طبخة وطنية تُطهَى على نار هادئة من الإجماع، بل هو صفقةٌ جديدة تُعقَد في سوق النخاسة المعاصرة… ؛ إنني لا أكتب هذه السطور لأصف مشهدًا عسكريًا، بل لأُشرِّح جُثَّةَ مجتمعٍ يُرادُ له أن يموت واقفًا تحت لافتة “الواجب”، بينما أسياده نيامٌ في فراشِ الامتياز … .
أولًا: بِنيةُ المؤسسة العسكرية – من الاستقلال الموهوم إلى الاستغلال المعلوم
لكي نفهم رعب فكرة التجنيد الإلزامي اليوم، لا بد من استعادة ذاكرة المكان… ؛ فقد نشأت المؤسسة العسكرية العراقية الحديثة في ظل تناقض فلسفي مُرعب: استقلال الدولة مقابل استعباد الفرد… ؛ منذ اللحظة الأولى لتأسيس الجيش العراقي، كان هناك خيط رفيع يفصل بين الدفاع عن السيادة وانتهاك الكرامة… ؛ كان الجيش في العهود البائدة أداةً في يد السلطة لقمع الشعب، لا لحراسته من عدو خارجي… ؛ فقد كان المعسكر سجنًا كبيرًا، والضابط سيدًا صغيرًا، والجندي رقيقًا ذليلا … ؛ حتى شاع بين الناس : (( إذا أردت أن تكون ملكاً فكن ضابطاً في الجيش العراقي )) … ؛ مما جعل البعض يرفع شعار : (( لو ملازم لو ملازم )) …!!
اليوم، يُطرَح التجنيد الإلزامي بوصفه علاجًا للبطالة؟!
أية مفارقة هذه؟!
كيف يتحول احتجاز الحرية وتعريض الجسد للموت إلى “تأهيل مهني”؟!
إن الفلسفة الكامنة خلف هذا الطرح منكوسة ومعكوسة تمامًا، إذ يتم تسليع الأجساد الفقيرة لامتصاص غضبها، بينما تذهب موازنات الدولة الحقيقية الى بطون لا تعرف الشبع…!!
وتاريخ المؤسسة العسكرية حافل بـ”عشرات بل مئات الحالات السلبية كالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان” … ؛ فمن الرشوة للتغاضي عن الخدمة ؛ إلى بيع الإجازات للجنود ؛ وصولًا إلى التعذيب وهدر كرامة الجندي العراقي … ؛ فقد وسم الجندي العراقي وطوال عقود من الزمن (( بالقشمر )) هذه ليست ذاكرة تاريخية منفصلة عن الحاضر، بل هي جينات وراثية ستستنسخ نفسها في أي كيان عسكري لا يحكمه قانون عادل … .
ثانيًا: رياضيات العبودية – ثمن الأجساد في ميزانية المفلسين
اليكم تحليل رياضي وحساب بسيط اشبه بحساب العرب كما يقول اهلنا في العراق ؛ فلو افترضنا ان عدد المجندين 2 مليون وليس 5 مليون كما اشارت الى ذلك بعض التقارير ؛ فالمحصلة ستكون بالشكل التالي :
· عدد المُجنَّدين: 2 مليون-
· الراتب الأدنى: 600 ألف دينار-
· الكلفة الشهرية: تريليون و200 مليار دينار-
· الكلفة السنوية: 14 تريليون و400 مليار دينار-
هذا الرقم الفلكي لا يشمل الكلفة الأكبر: ثمن الكرامة المهدورة… .
أين ستجد الحكومة العراقية، الغارقة في عجزها المالي والمُثقَلة بكاهل المحاصصة، هذا المبلغ؟!
الإجابة معروفة مسبقًا: لن توفره… ؛ وإذا فشلت في توفير الراتب، فستتحول المعسكرات إلى مستنقعات للرشوة والتعسف… ؛ و سيدفع الجندي الفقير “بدل ضائع” عن يد وهو صاغر ليُعفَى من الخدمة، بينما يدفع آخر من لحمه ودمه واعصابه في الصحراء بلا ذخيرة ولا طعام… ؛ إنها معادلة “التنجيد الإلزامي” كما يسميها الرأي العام بسخرية مريرة؛ تنجيد كراسي المسؤولين بأجساد الشباب البائسين …!!
ثالثًا: طبقية الحرب والسلم – النواب في الجنة والجنود في الخندق
من يملك المال يعفى من خدمة العلم ؛ بينما يساق الفقير الى معسكرات الاذلال والبؤس والروتين القاتل ؛ وهنا يكمن الخلل الاجتماعي الجائر … ؛ ففي العقد الاجتماعي السليم، يلتزم الجميع تجاه الوطن بالدم والمال… ؛ و لكن في العراق، التشريع هو أداة للاستثناء… ؛ فالتجنيد الإلزامي لن يكون تجنيدًا للعراق، بل تجنيدًا لطبقة المحرومين والفقراء والمساكين فقط .
سنجد أبناء الفلاحين والعمال يزحفون إلى معسكرات الصحراء، بينما أبناء المتنفذين يدرسون في جامعات أوروبا أو يتربعون على مقاعد الوظائف الوهمية… ؛ إنها عبودية القرن الحادي والعشرين؛ لا تُقطَع فيها الأذن، بل تُقطَع مسيرة الحياة.
سيكون التجنيد أداة ضبط اجتماعي لإسكات الصوت الغاضب في أزقة المدن الفقيرة والقرى البائسة … ؛ إنه قانون “إدارة الحشود” بدلًا من قانون “بناء الجيش”… ؛ كيف لشعب أن يصدق أن تجنيده قسرًا سيقضي على الفساد، في بلد يبدأ فيه الفساد من ماء الشرب ولا ينتهي عند حدود المنافذ؟!

رابعًا: الدلالات النفسية – جيل تحت رماد الخذلان
المواطن يعيش إحباطًا وجوديًا عميقًا ؛ اذ يشعر ان مصيره يُقرَّر في قاعات مغلقة خلف واجهة التصويت البرلماني او قرارات مجلس الوزراء … ؛ هذه المشاعر تتجاوز الغضب السياسي لتصل إلى العدمية الوطنية.
عندما يعتقد المواطن أن الحديث مع النائب أو المسؤول هو مضيعة للوقت بقدر الحديث مع الحائط الاصم ، فهذا يعني أن الجسر بين الدولة والمجتمع قد انهار.
التجنيد الإلزامي في هذه البيئة النفسية لن ينتج جنودًا شجعانًا يدافعون عن الأرض، بل سينتج آلافًا من الغاضبين المدججين بالسلاح أو المحبطين المنتظرين لدفع الرشوة… ؛ سيكون سوقًا سوداء جديدة، يدفع فيها الفقير ثمن سلامته الجسدية لضابط يتاجر بحريته… ؛ و هذه هي الظاهرة الاجتماعية التي ندعوها “التنجيد الإلزامي”: تنجيد ظهرك بالمال، أو تنجيد جسدك بالعذاب … .
خاتمة: مستقبل رهين
إن قرار التجنيد الإلزامي، كما أثبتنا، ليس قرارًا عسكريًا استراتيجيًا، بل هو قرار سياسي متسرع يحمل كل “شبهات الفساد”… ؛ إنه إفلاس فكري في إدارة الأزمة السكانية… ؛ إن أبناء العراق ليسوا أرقامًا في معادلة رياضية تبرر فشل الحكومات في خلق اقتصاد حقيقي … .
التجنيد الإلزامي في العراق ليس عودة إلى قيم الجيش، بل هو عودة إلى عصور العبودية المقنَّعة بالزي العسكري… ؛ إنه محاولة لدفن أزمة الخبز تحت كومة من البنادق الصدئة… ؛ وفي يوم الأحد، حين تُرفَع الأيدي بالتصويت، فليعلم كل نائب يصوت بـ”نعم” أنه يوقع على عقد إذلال وافقاروتعذيب لأجيال قادمة، وأن الجدار الذي يتحدث إليه الشعب اليوم قد ينهار على رؤوسهم غدًا .
إنها قصة الأجساد الطينية التي يُراد تشكيلها في معسكرات النسيان، بينما تصعد أرواح الضباط الذهبية إلى مقاعد المقرات المكيفة.
مصير هذه الفكرة محتوم بالفشل الذريع، ليس لأنها خاطئة فقط، بل لأنها ظالمة، وكل ما بُني على الظلم لا يصمد أمام ريح التغيير .