د. فاضل حسن شريف
في خطبة الجمعة للشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: يا من غفر لآدم خطيئته ورفع ادريس مكانا عليا برحمته يا من نجى نوحا من الغرق. يا من اهلك عادا الاولى وثمود فما ابقى وقوم نوح من قبل انهم كانوا هم اظلم واطغى والمؤتفكة اهوى. يا من دمر على قوم لوط ودمدم على قوم شعيب. يا من اتخذ ابراهيم خليلا يا من اتخذ موسى كليما واتخذ محمد صلى الله عليه واله وعليهم اجمعين حبيبا. يا مؤتي لقمان الحكمة والواهب لسليمان ملكا لا ينبغي لاحد من بعده. يا من نصر ذا القرنين على الملوك و الجبابرة. يا من اعطى الخضر الحياة ورد ليوشع ابن النون الشمس بعد غروبها. يا من ربط على قلب ام موسى واحصن فرج مريم بنت عمران. يا من حصن يحيى بن زكريا من الذنب وسكن عن موسى الغضب. يا من بشر زكريا بيحيى. يا من فدى اسماعيل من الذبح بذبح عظيم. يا من قبل قربان هابيل وجعل اللعنة على قابيل. يا هازم الاحزاب لمحمد صلى الله عليه واله صل على محمد وال محمد وعلى جميع المرسلين وملائكتك المقربين واهل طاعتك اجمعين واسألك بكل مسألة سألك بها احد ممن رضيت عنه فحتمت له على الاجابة. يا الله يا الله يا الله يا رحمن يا رحمن يا رحمن يا رحيم يا رحيم يا رحيم يا ذا الجلال والاكرام يا ذا الجلال والاكرام يا ذا الجلال والاكرام نسألك بكل اسم سميت به نفسك او انزلته في شيء من كتبك او استأثرت به في علم الغيب عندك ومعاقد العز من عرشك وبمنتهى الرحمة من كتابك وبما ان ما في الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم. واسألك بأسمائك الحسنى التي نعتها في كتابك وقلت “وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا” (الاعراف 180) وقلت: “ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ” (غافر 60) وقلت “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ” (البقرة 186) وقلت: (يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم). وانا اسألك يا الهي وادعوك يا ربي وارجوك يا سيدي واطمع في اجابتي يا مولاي كما وعدتني وقد دعوتك كما امرتني فافعل بي ما انت اهله ولا تفعل بي ما انا اهله انك اهل التقوى واهل المغفرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين. حضيرة القدس مرتبة من المراتب الالهية العالية جدا، لا يمكن ان نتوصل الى تعريفها او معرفتها كما قال الله تعالى: “رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ” (غافر 15)، وليست هذه الدرجات لذاته، هو لا يستفيد من الدرجات حبيبي، لأنه إنما يتمناها لخلقه وللمؤمنين من عباده والخاصة المستحقين لتلك الدرجات في الحقيقة الا اننا بالرغم من اننا لا نستطيع فهم هذه الدرجة العليا، اقصد حضيرة القدس، الا اننا نشرح اللفظ فقط، فالحضيرة على وزن فعيلة من الحضور وهي إما بمعنى اسم المفعول بمعنى محضرة او اسم الفاعل بمعنى حاضرة، الا ان هذا فيه نحو من المجازية، لأن من فيها حاضر؟ ومن فيها محضر؟ المكان هو لا حاضر ولا محضر، وإنما من في المكان هو حاضر، أو محضر، المهم انه في الحقيقة الذي ينطبق عليه انه حضير بمعنى حاضر هو المكين اي من في المكان وليس المكان نفسه. ويمكن ان تكون فيها الياء زائدة، حضيرة، فتكون الحضيرة بمعنى الحضرة يعني حضرة القدس ونحن نعبر بالحضرة عن مراقد المعصومين عليهم السلام، لأنها كأنها موضع الحضور عندهم وكذلك الحضور عند القدس الالهي وفي مراتب العظمة الالهية والنور الالهي.
ان ننظر الى الثواب الجزيل الذي وضعه الشارع المقدس الله سبحانه وتعالى المولى الحقيقي وضعه للمرأة اذا قامت بمسؤوليتها الشرعية واطاعت ربها حق الطاعة قال الله تعالى: “اني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى” (ال عمران 195) وقال تعالى: “ان اكرمكم عند الله اتقاكم” (الحجرات 13) فلو كانت المرأة افضل في التقوى من اي واحد من الرجال كانت خير منه – ولا نُزاحم في ذلك،لا بأس بذلك -، وقال تعالى: “هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ” (الزمر 9) فلو كانت المرأة اعلى درجة في العلم – اي في العلم الحق في الحقيقة – من اي واحد من الرجال كانت خيرا منهم. كما قال الشاعر: ولو ان النساء كمن عنينا لفضلت النساء على الرجال. وقد ورد بمضمون: ان جهاد المرأة حسن التبعل وحسن تربيتها لاولادها وهو التعويض الذي عوضها الله سبحانه وتعالى به عن تحمل مسؤولية الجهاد للرجال. ومعنى ذلك هذا ايضا قلما يلتفت اليه ان لهن في العناية بالزوج والاولاد ثواب الجهاد فعلا وان التي تموت في هذا الصدد تموت شهيدة كالذي يموت في الجهاد فعلا ومن المعروف ان المرأة لو ماتت بالولادة، تعرفوه وموجود في الارتكاز المتشرعي ومروي ان المرأة لو ماتت بالولادة فانها ممن تجب لها الجنة وقد كان الطب خلال مئات السنين السابقة ضعيفا ومن هنا كان موت الوالدات ظاهرة متكررة كثيرا، فاذا ماتت المرأة عند الولادة وهي بعقيدة سليمة دخلت الجنة لا محالة.
جاء في كتاب فقه الاخلاق للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: أهداف التفكر: حقيقة التفكر هو إجالة الفكر في الذهن ومحاولة الإستنتاج منها. إلا أنَّ الذي يقتضيه الذوق العام، هو: أنَّ ذلك وإن كان هو التطبيق المهم لمعنى التفكر أو التفكير، إلا أنه لا ينحصر بذلك، ومن هنا كان المعنى الذهني الواحد يسمى (فكرة) فحصول الفكرة ولو زماناً قليلاً هي نوعٌ من التفكر. ومعنى ذلك: أنَّ التفكر هو حصول الفكرة أو الأفكار في زمنٍ قليلٍ أو طويل، مع محاولة الإستنتاج منه أو عدم ذلك. غير أنَّ الشيء الذي يفرض نفسه تلقائياً مع حصول التفكر في الكون هو حصول النتيجة وإن كرهها صاحبها، أو أبت نفسه عنها. وهي استنتاج عظمة الخالق سبحانه وعجيب تدبيره وواسع قدرته ورحمته جلَّ جلاله في هذا الكون العجيب المترامي. ونحن الآن وإن قلنا إنَّ الفكرة تكون في (الذهن). كما هو المشهور أو المتعارف، إلا أنَّ ( الذهن) لم يذكره القرآن الكريم إطلاقاً، وإنما نسب التفكير إلى العقل تارة ً (لِقَوْمٍ يَعْقِلُون)، وإلى اللبِّ أخرى (أُولِي الأَلْبَابِ)، وإلى القلب ثالثةً (لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا)، وإلى النفس رابعةً (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ)، وإلى الصدور خامسةً، كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) وقوله تعالى: “يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور” (غافر 19). ولا ينبغي الآن أن نتكلَّم في تفسير هذا المعنى وهو حصول التفكير في القلب والصدر، فإنَّ له مجالاً في علومٍ أخرى كالتفسير وعلم الكلام والفلسفة وعلم النفس. ولسنا الآن بصدده. وإنما الذي ينبغي أن نكون بصدده، هو ما يمكن أن يكون هدفاً للتفكير أو التفكُّر، وهل كلُّ أهدافه صالحة؟ وأنَّ أياً منها بالتحديد هو الذي حثَّ عليه القرآن الكريم؟. وأهمُّ ما يمكن تصوره كأهدافٍ للتفكير عدة أمور، قد يجتمع بعضها مع بعضٍ وقد لا يجتمع. الهدف الأول: استنتاج أمرٍ دنيويٍّ محضٍ كمن يفكر في حسابات تجارته، أو المحاضرة التي يلقيها على الطلاب. الهدف الثاني: استنتاج أمرٍ دنيويٍّ ذي نتيجةٍ دينية. كالتفكير في بناء مسجد ومقدماته وحساباته. الهدف الثالث: استنتاج وجود الله عزَّ وجل، بعد الإلتفات إلى دقَّة الترتيب والتدبير في هذا الكون، وأنَّ ذلك لا يكون إلا من قبل فاعلٍ عالمٍ قدير. الهدف الرابع: استنتاج حسن تدبير الله سبحانه للكون، وواسع قدرته ورحمته، بعد التسليم بوجوده.وهذا هو الذي يستفاد من ظاهر القرآن الكريم. إلا أنه غير منافٍ مع الهدف الثالث بطبعه، إذ بعد الإلتفات والتأمُّل بالكون يكون التدبير والمدبِّر واضحين. الهدف الخامس: استنتاج عظمة الله سبحانه في خلقه، وهذا معنى غير مجرَّد التدبير والترتيب. الهدف السادس: استنتاج الهدف من الخلقة بالتفكُّر فيها، كما في قوله تعالى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ). أو غير ذلك من الأهداف الممكنة للخلقة.إلى غير ذلك من الأهداف الممكنة للتفكير.
جاء في كتاب الأسرة في الإسلام للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: الكفاءة في نظر الإسلام: قال الله عزوجل: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ” (الزمر 9). وروي عن الإمام أبي جعفر الصادق عليه السلام، انه قال: إن رجلاً من أهل اليمامة يقال له جويبر أتى رسول الله منتجعا للإسلام، فاسلم وحسن إسلامه. وكان رجلاً قصيراً دميما محتاجاً عادياً وكان من قباح السودان … إلى أن قال: وان رسول الله صلى الله عليه واله نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة ورقة عليه. فقال: يا جويبر لو تزوجت امرأة فعففت بها فرجك وأعانتك على دنياك وآخرتك.. فقال له جويبر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ومن يرغب فيّ، فوالله ما من حسبٍ ولا نسبٍ ولا مالٍ ولا جمالٍ، فأية امرأة ترغب فيّ؟. فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً، وشرّف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعاً واعز بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلاً. وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها. فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم وقرشيّهم وعربيهم وعجميهم من آدم؛ وان آدم خلقه الله من طين. وان أحب الناس إلى الله أطوعهم له وأتقاهم. وما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين اليوم فضلاً، إلا لمن كان أتقى لله منك وأطوع. ثم قال له: انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد، فانه من أشرف بني بياضة حسبا فيهم، فقل له: أني رسول رسول الله إليك، وهو يقول لك. زوج جويبر ابنتك الذلفاء. وفي الحديث انه زوجه إياها بعدما راجع النبي صلى الله عليه واله. فقال له: يا زياد، جويبر مؤمن؛ والمؤمن كفؤ المؤمنة، والمسلم كفؤ المسلمة؛ فزوجه يا زياد، ولا ترغب عنه. فمن هنا نعرف إن الإسلام حرص كل الحرص على جعل المقياس الأساسي في الكفاءة بين الزوجين، هو الإسلام نفسه. فما دام الزوجان أخوين في هذا الدين، لا يهم بعد ذلك أن يكون أحدهما أدنى من الآخر. بحسب المنزلة الاجتماعية أو النظرة الاقتصادية الضيقة. سواء كانت الضعة من جانب الزوج كما عرفت في جويبر وكتزويج رسول الله صلى الله عليه واله بنت عمه لزيد مولاه. أو كانت من جانب الزوجة كتزويج رسول الله صلى الله عليه واله بنفسه صفية بنت حي بن اخطب. كتب الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام يقول: إن الله رفع الإسلام كل خسيسة وأتم به الناقصة وأذهب به اللوم، فلا لوم على مسلم، وإنما اللوم لوم الجاهلية.
جاء في کتاب ما وراء الفقه للسيد محمد محمد صادق الصدر: أمَّا العزم ففي مثل قوله تعالى “فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” (ال عمران 159). غير أنَّ العزم ورد في القرآن الكريم بمعنى يوافق القصد وألهمه إلى الأمور العظيمة والصعبة في سبيل الله عزّ وجلّ، والتضحية من أجل طاعته. ومن هنا قال تعالى: “فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ” (الاحقاف 35). وقال جلّ جلاله “واصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ” (لقمان 17). ووجد أنَّ عدم هذا النوع من العزم نوع من الخلة والضعف قال سبحانه “ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَه عَزْماً” (طه 115). أمَّا الهم وهو قصد الأمر السيء كما نفهم من سياق الآيات، فمثل قوله تعالى “إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ” (المائدة 11). وقوله سبحانه “وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوه” (غافر 5). أو قوله “وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا” (التوبة 74). وإذا أعرضنا عن التدقيق في التفاصيل الفقهية لأنها خارجة عن موضوع الكتاب. وأعرضنا عن التفاصيل الأخلاقية أكثر ممَّا ذكرناه، لأنه قد يكلف القاري كثيراً من التفكير، ممَّا هو في غنى عنه. وقد ورد (دعوا الناس على غفلاتهم). إذن ليس لنا أن نستمر في مبحث النية أكثر من ذلك.
جاء في كتاب الطهارة للسيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: تعدد الموت والحياة: انه من الراجح، ما دمنا لدى الحديث عن الموت، أن نفهم تفسير الآية الكريمة: “رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ” (غافر 11). فإنَّ ذلك، وان كان خالياً من الجانب الفقهي، إلا أنه غير خالٍ من الجانب الأخلاقي، الذي هو أحد جانبي هذا الكتاب. فإنَّ السؤال يقع في أنَّ المنظور في هذه الحياة أنَّ الحياة واحدةٌ وهي هذه التي نعيشها، والموت واحدٌ وهو هذا الذي نراه، فأين الحياة الثانية والموت الثاني الذي بشرت بهما الآية الكريمة؟. ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه، نذكر منها ما يلي: الوجه الأول: وهو المشهور بين المفسرين وغيرهم، بأنَّ العدم السابق على الحياة اعتبرته الآية الكريمة موتاً والوجود اللاحق لهذه الحياة في الآخرة اعتبرته الآية الكريمة حياةً، فحصل لدينا حياتانِ وموتان. الوجه الثاني: انَّ المشهور بين المتشرِّعة: أنَّ الملكينِ المسؤلينِ عن سؤال الميت في القبر بعد دفنه يأتيانه فيعيدانِهِ إلى الحياة، وبعد أن يتمَّ السؤال يموت مرةً ثانية، ويبقى ميتاً إلى يوم القيامة، وبذلك فقد حصل عندنا موتٌ ثانٍ وحياةٌ ثانية. الوجه الثالث: انَّ الحياة والموت الآخرينِ اللذينِ تبشر الآية الكريمة بهما ليسا ماديينِ، وإنما هما معنويان، وذلك: بعد ملاحظة أنَّ الآية الكريمة تنقل هذا الكلام عن الكفار والمنافقين وليس عن المؤمنين كما هو واضحٌ من سياق القرآن الكريم. ومعه يكون الموت المعنويُّ هو حالة الكفر ونحوه، الموجودة لديهم، والحياة المعنوية هي انكشاف الحقِّ في الآخرة، حين لا ينفعهم ندمٌ ولا تقبل منهم توبة، ولذا يقولون: “فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ” (غافر 11). الوجه الرابع: انَّ الحياة والموت المعنويينِ كما يمرُّ بهما الكفار والمنافقون، يمرُّ بهما المؤمنون أيضاً. إذن، فالتثنية بالحياة والموت شاملةٌ للجميع. وبالنسبة إلى المؤمنين، يكون الموت عبارةً عن الغفلة عن الحقّ والتلهي بأمور الدنيا حقبةً من الزمن. وتكون الحياة المعنوية هو صعودهم بالسباق المعنويِّ إلى العالم الأعلى، وانكشاف الحقيقة لهم. الوجه الخامس: انَّ التثنية بالحياة والموت، ليست على نحو الحصر، بل يمكن أن تكون إشارةً إلى مجرد التعدد. فقد تكون الحياة أكثر من اثنتين، والموت أكثر من اثنين، كالحياة في عالم الذرِّ السابقة على الدنيا، والحياة في الدنيا، والحياة في البرزخ، والحياة في يوم الحساب، والحياة في الثواب أو العقاب الموعودين بعده. مضافاً إلى الحياة المعنوية التي سمعناها. ولكلِّ حياةٍ موتٌ يقابلها. هذا مضافاً إلى وجوهٍ أخرى محتملةٍ في الآية الكريمة لا حاجة إلى الإفاضة فيها.