لقمان البرزنجي – كاتب وصحفي مستقل (ألمانيا)
لقد اضحى المشهد العراقي الراهن غارقا في لجة من الريبة والتوجس، حيث سادت سيكولوجية (التشكيك المطلق) في كل مفردة سياسية أو حراك اجتماعي. فعلا نحن نعيش زمنا غريبا ورهيبا في آن واحد، غريب بضيق مساحات التسامح واحتواء النقد، ورهيب بتغول (نرجسية الذات) التي تسعى لفرض وصايتها على المشهد العام، مما ادى إلى تقويض دعائم القبول المتبادل والتعايش السلمي الذي كان يوما ما ركيزةً لبنائنا الاجتماعي.إن ما نكابده اليوم هو نتاج تحالفٍ غير مقدس بين قوى سياسية فاسدة، واجندات حزبية ضيقة تعمل لمصالها الخاصة ، وتيارات تتستر بالدين لتمرير دجلها السياسي. هؤلاء لم يحرقوا مقدرات البلاد فحسب، بل أحرقوا المعنى الإنساني في وجدان المواطن، حتى وصَلنا إلى مرحلة من العدمية الاجتماعية التي جعلت الشك يطال نية الإنسان تجاه أخيه، بل وتجاه ذاته أيضاً.
لقد عمدت تلك الأحزاب المارقة، ومن خلال صالونات النهب العام، إلى ضرب الفسيفساء المجتمعية العراقية في مقتل. فكان الهدف الاستراتيجي هو تفكيك مفهوم (الانتماء الوطني) واستبداله بهويات فرعية، مذهبية وعرقية، تضمن بقاء السلطة في يد النخبة السارقة. إن انهيار المنظومة الأخلاقية والترابط الاسري الذي نشهده اليوم هو (القنبلة النووية )الحقيقية التي فجّرها الفساد في قلب الدولة العراقية فهي أخطر من الدمار المادي لأنها تستهدف الروح الجمعية للشعب. من حق المواطن العراقي ان يسال بعد عقود من التغيير، ماذا حصدنا العراق الجديد ؟ الحصاد کانت على المستوى الشعبي انهيار قيميو تفكك نسيج اجتماعي وضياع لمقومات الحياة الكريمة. اما على مستوى السلطة نخبة سياسية فاسدة رامية والسراق استولت على مفاصل الدولة، وعبثت بمقدرات الشعب، بل ووصل بها الاستهتار إلى المتاجرة بكرامة المواطن مقابل لقمة العيش، في ظل غياب كامل لسيادة القانون وأدوات المساءلة.وفي خضم هذا الاستلاب، تحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، واستعراض عضلات الميليشيات التي جعلت من الوطن واحةً (للعنتريات) العابرة للحدود، حيث يذبح الشرفاء وتستباح السيادة.عندما انبثقت انتفاضة ثورة تشرين لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل كانت ثورة أخلاقية بامتياز ضد المتاجرين بالوطن و صرخة شعبٍ أراد استعادة وطن سليب، وإعادة بناء جسور الثقة المفقودة بين المواطن وأخيه من جهة، وبين المواطن والدولة من جهة أخرى. إنها محاولة لترميم الكرامة التي هدرتها المحاصصة.إن العراق اليوم يقف على حافة منعطف تاريخي خطير. فإذا استمر تعنت والتناطح الكتل السياسية في التمسك بنهج (المحاصصة الحزبية)، وفشلت محاولات تشكيل حكومة جديدة تلبي طموحات الشارع، فإن الزوبعة ستتحول إلى إعصارٍ قد يودي بكيان الدولة كليا. حينها، قد لا يجد المجتمع الدولي بدا من التدخل لتقرير مصير بلد أضاعته أحزابه، وضاع فيه شعبه بين سندان الداخل ومطرقة الخارج.