الألغام الرقمية ((قراءة نقدية في تحولات خطاب الكراهية وتأثيره على نسيجنا الاجتماعي))

​بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن

الأحد، 26 أبريل 2026

​لم يعد الفضاء الرقمي مجرد ساحة لتبادل المعلومات أو جسراً للتواصل الإنساني كما رُوّج له في بدايات الثورة التكنولوجية بل استحال في الآونة الأخيرة إلى حقل ملغوم بعبوات معنوية ناسفة تُعرف بـ (خطاب الكراهية) وهذا الخطاب الذي تجاوز كونه مجرد كلمات حادة ليصبح ظاهرة بنيوية تتغلغل في مفاصل المجتمعات مهددةً بتفكيك النسيج الاجتماعي الذي استغرق بناؤه قروناً من التعايش.
إننا اليوم أمام تحول خطير في طبيعة الضغينة حيث انتقلت من حيز الشعور الفردي المكبوت إلى (فعل جمعي) منظم يقتات على الخوارزميات ويستمد قوته من سرعة الانتشار خلف شاشات صماء تمنح الجاني حصانة وهمية وتجرد الضحية من إنسانيتها.
​إن القراءة المتأنية لمسار الكراهية في العصر الرقمي تكشف عن تبدل جذري في (تمظهرات) البغض. ففي السابق كانت الكراهية تصطدم بحواجز اجتماعية وأخلاقية وقانونية تحد من تمددها أما اليوم، فقد منحت المنصات الرقمية لهذا الخطاب (قوة الدفع الذاتي) . فالخوارزميات التي صُممت لزيادة التفاعل لا تفرق بين (تفاعل إيجابي) و(تحريض مدمر) بل إنها في كثير من الأحيان تنحاز للأخير كونه الأكثر قدرة على إثارة الجدل والبقاء طويلاً في دائرة الضوء. هنا نجد أنفسنا أمام (ألغام) ذكية، تنفجر عند كل اختلاف سياسي أو عقدي أو عرقي، محولةً النقاش العام إلى معارك صفرية لا تقبل أنصاف الحلول.
​والخطورة في هذا التحول لا تكمن فقط في حدة الكلمات، بل في (تطبيع) الكراهية. فعندما يتحول الشتم والتخوين والإقصاء إلى مادة يومية مستهلكة، تبدأ الحصانة المجتمعية بالتآكل ينسحب العقلاء من المشهد خوفاً من الاغتيال المعنوي ويتقدم المشهد (أصحاب الصوت الصاخب) الذين يقتاتون على إثارة النعرات هذا الانقسام الرأسي لا يتوقف عند حدود العالم الافتراضي، بل يمتد أثره إلى الواقع الفيزيائي حيث تتحول الكلمات في لحظة غفلة إلى أفعال عنف وتتحول التغريدات التحريضية إلى قطيعة اجتماعية في الأحياء والمدن مما يجعل المجتمع يعيش حالة من (التوجس الدائم) والتربص بالآخر.
​إن مواجهة هذه الألغام لا تبدأ من المنصات وحدها، بل من مراجعة نقدية لوعينا الجمعي بكيفية التعامل مع المحتوى الرقمي فنحن بحاجة إلى صياغة (عقد اجتماعي رقمي) جديد يعيد الاعتبار لقيمة الكلمة ومسؤوليتها. النقد هنا لا يستهدف التكنولوجيا بحد ذاتها فهي أداة محايدة بل يستهدف (التوظيف اللاأخلاقي) لها.
إن التحرر من سطوة الكراهية الرقمية يتطلب شجاعة في الفكر وقدرة على التمييز بين حرية التعبير وبين استباحة كرامة الآخرين إنها معركة وعي بامتياز، هدفها الأساسي هو استعادة إنسانيتنا التي كادت أن تذوب في قوالب الخوارزميات وحماية نسيجنا الاجتماعي من التمزق تحت وطأة الانفعالات العابرة والمصالح الضيقة التي تغذيها منصات التواصل. وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على قدرة المجتمع –بأفراده ومؤسساته– على تحويل هذه المنصات من ساحات للصراع إلى فضاءات للحوار المثمر الذي يبني ولا يهدم، ويجمع ولا يفرق.