اسعد عبدالله عبدعلي
صباح الجمعة في شارع الرشيد لا يشبه أي صباح آخر؛ فهو ليس مجرد وقت زمني، بل هو حالة من “التشوش” الجميل. هو ذلك المزيج العجيب بين رائحة الهيل المنبعثة من إبريق شاي “أبو علي” الذي يغلي بصبر أيوب، وبين عبق التاريخ المتآكل المنبعث من الجدران العتيقة, التي تبدو وكأنها تسند بعضها بعضاً, كي لا تسقط أمام زحف الحداثة المشوهة. في هذا الشارع، تختلط أصوات بائعي “اللنكة” بزقزقة العصافير, التي يبدو أنها هي الأخرى أدمنت استنشاق عوادم السيارات.
وفي عمق هذا الصباح، وتحديداً خلف باب “مقهى الأسطورة” الخشبي الذي يئن كلما دفعه زبون، كانت هناك “المنطقة الخضراء” الخاصة بنا: طاولة “النخبة”. هي طاولة دائرية مهتزة القوائم، وُضعت تحت صورة باهتة لزعيم راحل لم يعد أحد يتذكر اسمه، لكن الجميع يقسمون أن أيامه كانت “خيراً وبركة“.
هذه الطاولة كانت محجوزة لنقاش فكري “معمق” لدرجة الغرق، نقاش يديره فلاسفة الأرصفة وخبراء الاقتصاد, الذين لا يملكون ثمن “استكان” شاي إضافي. انطلق الحوار بملحمة جيوسياسية كبرى، بدأت من فوهة المدافع المشتعلة في أقصى الشرق الأوسط، وتحليل مسارات الصواريخ الباليستية وكأن الحاضرين هم من رسموا إحداثياتها.
· ازمة غاز الطبخ
كان الجو محموماً، ليس بسبب حرارة الجو، بل بسبب “الحقيقة” التي كاد الحاج صادق أن يخنقنا بها. كان يرتدي بدلة رصاصية، مكوية بعناية فائقة توحي بأن صاحبها يعيش في كوكب آخر لا تصله أزمات الكهرباء والغاز، ويزين عنقه ربطة عنق سوداء مميزة كانت تلتف حول رقبته كأنها الأفعى التي تلتف حول عنق الاقتصاد العراقي. تنحنح الحاج صادق، ونظر إلينا بنظرة “المطلع على بواطن الأمور”، وقال بنبرة مأساوية: “الحقيقة.. الحقيقة هي أن الأيام حبلى بالقنابل الموقوتة، ونحن لا ندري أي فجر سيفجرنا!”.
توقف قليلاً ليرتشف رشفة من شاي محمود المعطر، ثم واصل: “وإلا، قولوا لي بربكم، ما سبب أزمة الغاز؟ وزارة النفط، حفظها الله ورعاها وسدد خطاها في التصريحات، تقول إنه متوفر.. متوفر جداً، يفيض عن الحاجة! إذن، فأين يذهب؟ ومن سبب الأزمة؟ بل، وهذا هو السؤال الأهم، لماذا يتجاهل البرلمان والحكومة إجراء تحقيق بالقضية؟ هل هي قنينة غاز أم مفاعل نووي يحتاج لسرية تامة؟ الأزمة في توسع كبير، وأخشى أن نضطر قريباً لطهي الطعام على نار الغضب الشعبي!”.
أومأ الجميع برؤوسهم موافقة، وكان الإجماع منعقداً على أن في الأمر “سراً” خلفه مليارات الدنانير التي “تتبخر” كما يتبخر الغاز، تاركة لنا الرائحة الكريهة فقط.
ثم، ومن زاوية الطاولة، تداخل الكاتب البغدادي العتيق، الذي يرتدي قميصاً أزرق أنيقاً (رغم أنه عتيق أيضاً، لكنه أنيق بطريقته البغدادية)، وقال بصوت فيه نبرة يأس مثقف: “يجب أن نتكيف مع الوضع.. يبدو أن أهل السلطة سيجعلونه أمراً واقعاً، هم لا يبالون بالمجتمع، المجتمع بالنسبة لهم هو مجرد وقود لسياراتهم المصفحة. وعلينا أن نجد بدائل!”.
نظرنا إليه بانتظار “الحل العبقري”، فواصل بنبرة حماسية غريبة: “العودة ‘للجولة’! نعم، ‘الجولة’ بالاعتماد على النفط.. أو استخدام ‘الهيترات الكهربائية’! وهكذا نقلل من الاعتماد على الغاز الذي يبدو أنه أصبح حكراً على النخبة لتدفئة مسابحهم في المنطقة الخضراء!”.
· التهديد بعودة التجنيد الاجباري
هنا، دخل علينا العجوز المتمرس أبو لهيب، ودخوله لم يكن هادئاً أبداً، فقد ضرب الطاولة بعصاه كأنها مطرقة قاضٍ يعلن الحكم على التاريخ. صاح أبو لهيب، وعيناه تطلقان شرراً، وكأن كل غاز العراق المحبوس قد تفجر في صدره: “يا غاز.. يا حرب.. يا باليستي! أنتم تتحدثون عن القشور، بينما النواة تُطحن!”.
نظر الحاج صادق إليه باستغراب، بينما واصل أبو لهيب بعصبية مفرطة: “هنالك مخطط.. مخطط خبيث لاذلال الشباب، عبر إعادة التجنيد الإجباري للعراق! نعم، يريدون إعادة سياط صدام وتدويرها في العراق مرة أخرى! ومن يتخلف عن الالتحاق؟ هه، يقطعون أذنه! أو يعدمونه بالتيزاب المركز!”.
ساد الصمت لثوانٍ، كنا نحاول استيعاب حجم “التيزاب المركز” في مخيلة أبو لهيب. واصل أبو لهيب، بينما كانت ربطة عنق الحاج صادق تبدو وكأنها تضيق عليه: “لدينا أزمة بالرواتب، لا نجد ما نأكله، فمن اين سيوفرون رواتب وملابس وتغذية لمئات الوف المجندين اجباريا! لكن يبدو أن هنالك أمراً من جهات خارجية.. نعم، جهات خارجية تريد اذلال الشعب، وإجبار الشباب على الركوع لنهج صدام البائس!”.
كان العجوز أبو لهيب عصبي جداً، يبدو أن كل خطوة تخطوها “الجولة” العتيقة في ذهن الكاتب كانت تستفزه. قال شاب كان يجلس قربنا وكان ينصت لحديثنا كأنه يستمع لمحاضرة في الفيزياء الكونية، وكان يرتدي قميص المنتخب العراقي( ربما تضامناً مع صعود العراق لكاس العالم) : “نعم.. نعم، أتفق مع الحاج.. هو يقول إنهم يريدون إعادة التجنيد لنقضي على ‘ميوعة’ الشباب العراقي!”.
توقف الشاب، ونظر إلى أبو لهيب كأنه يستأذنه للكلام، ثم واصل: “مع أن القضاء على الميوعة ليس عبر التجنيد الإجباري، هنالك ألف حل وحل, يمكن أن تخلق لنا رجالاً أقوياء.. الرياضة، العمل، الفن، الثقافة! لكن برلماننا البائس، البرلمان الذي ترك مشاكل البلد والمجتمع، راح يبحث عن انتصارات وهمية يحاكي مخيلة البعض ممن ما زال يحن للماضي القبيح، الماضي, الذي لم نجلس في مقهى الأسطورة إلا هرباً من بشاعته!”.
· بايش يتهجم على المنتخب والاتحاد
وفي غمرة هذا النقاش المصيري حول “آذان” الشباب وعصا أبو لهيب، جاء الشاب ابن صاحب القهوة، وهو يحمل صينية الشاي، ويقول بنبرة تعجب: “هل تعلمون.. هل تعلمون أن بايش لاعب المنتخب تهجم على لاعبي المنتخب وعلى المدرب وعلى الاتحاد مما يهدد وحدة المنتخب قبل المشاركة في اهم بطولة.. ولا أحد يجرؤ على معاقبته!! أمر عجيب.. هل يملك حصانة ضد أي مشكلة يفعلها..!”.
وهنا، انطلقت ضحكة جماعية مدوية في مقهى الأسطورة، ضحكة سخرية مريرة من تشعبات الحديث، فمن حرب الشرق الأوسط وأزمة الغاز العالمية والمحلية، وقنابل الحاج صادق الموقوتة، وعصا أبو لهيب التي تقطع الآذان، والتجنيد الاجباري، وصلنا في النهاية.. لأفعال بايش! والذي يبدو أنه يفعل ما يحلو له ولا يمكن لاي احد ان يعترض، لذلك لا نجد من “يردم” افعال بايش للحفاظ على وحدة المنتخب قبل انطلاق كأس العالم.
· اخيرا:
مع انفجار الضحكة التي ردمت فجوة الخلاف بين “تيزاب” أبو لهيب ومتلازمة بايش، ساد صمت مفاجئ، لم يقطعه سوى صوت ارتطام ملعقة الشاي بجوانب الاستكان في حركة دائرية عصبية من يد الكاتب العتيق. نظرنا جميعاً إلى الفراغ، وكأننا كنا ننتظر أن تنبثق قنينة غاز من العدم، أو يخرج برلماني من تحت الطاولة ليعتذر عن التجنيد بالاكراه.
نفض الحاج صادق غبار الأفكار عن بدلته الرصاصية، وعدّل ربطة عنقه التي كادت أن تخنقه فعلاً من كثرة الحماس الجيوسياسي، ثم نهض بوقار “رئيس وزراء مستقيل” وقال: “يا جماعة، الحقيقة أننا حللنا مشاكل الكوكب، من تخصيب اليورانيوم وصولاً إلى تخصيب ‘الغاز السائل’، ولم يبقَ أمامنا إلا أن نقرر: هل نتغدى ‘تمن وقيمة’ على الهيتر الكهربائي أم ننتظر معجزة من وزارة النفط؟“.
صاح أبو لهيب وهو يتكئ على عصاه، وقد انطفأت نار غضبه قليلاً لكن دخانها لا يزال يتصاعد: “يا غداء يا بطيخ! جيبولنا مي، نشف ريقنا.
وهكذا، انفضّ “مجلس الأمن” المصغر في مقهى الأسطورة، وخرجنا إلى شارع الرشيد نجرّ أذيال “الهزيمة الفكرية”، نتلفت يميناً وشمالاً خوفاً من دوريات التجنيد التي قد تتربص بآذاننا، أو بحثاً عن سيارة غاز تائهة في زحام بغداد. تركنا خلفنا الطاولة المهتزة، وصورة الزعيم الراحل الذي بدا في تلك اللحظة وكأنه يبتسم بسخرية من فوق جدار المقهى، وكأنه يقول لنا: “تحدثوا ما شئتم.. ففي النهاية، الغاز سيتبخر، والتجنيد الاجباري قادم, وبايش سيلعب، والأسطورة ستبقى دائماً.. مجرد حكاية على استكان شاي“.