الجزء الثاني.
سليم جواد الفهد.
توقفنا عند سؤال نيتشه كيف أصبحت “الحقيقة” قيمة عظمى وكيف تم تشكيلها عبر التاربخ؟تعددت مناهج البحث عن الحقيقة في الفلسفة من الفلسفة اليونانيةإلى الفلسفة المعاصرة.
وهذا ما تمثل مع العديد من المناهج الفلسفية المعاصرة ولعل أبرز هذه المناهج المنهج الجينالوجي مع فريديرك نيتشه الذي اتخذ من الجينالوجيا طريقا ومنهجا للكشف عن مختلف صيرورات الحقيقة و تعددها انطلاقا من أن الجينالوجيا كحقل للبحث في الحقيقة يسعى من خلال النقد الذي يمارسه على الميتافيزيقا إلى تفكيك مختلف بناها وكذلك عوامل الخطاب الميتافيزيقي ومعرفة مكوناته المتحكمة فيه والتي أنشأته أيضا من خلال بحثها في ذلك التاريخ المنسي بالاستناد إلى التحليل الحفري لمختلف خطابات الحقيقة ثم السعي إلى تأويلها وتحريرها من نمط
المطلقية إلى أنموذج النسبية والتعدد أو الصيرورة و الاستمرارية. و يتم هذا بإرجاع كل القيم إلى أصل واحد هو “إرادة القوة” باعتبارها مبدءً ومصدرا لكل حقيقة كيفما كانت.
سؤال نيتشه: «كيف أصبحت “الحقيقة” قيمة عظمى وكيف تم تشكيلها عبر التاريخ؟ يمثل أحد أهم مداخل الجينولوجيا الذي اعتمده نيتشه لزعزعة اليقينيات المطلقة في الفلسفة الغربية.
نيتشه هنا لا يسأل “ما هي الحقيقة؟” -وهو سؤال فلسفي تقليدي- بل يسأل عن “قيمة” الحقيقة وعن “أصل” هذا التقدير العالي لها. وبتفكيك هذا التساؤل الجوهري:
نقع على مراد نيتشه الحقيقة كـ “إرادة” وليس كـ “اكتشاف”.
نيتشه يرى أن البشر لم يتوصلوا إلى الحقيقة عبر تجرد فكري بل إن “إرادة الحقيقة” هي نتاج دافع ديني وسياسي تاريخي فهو هنا يتحدى الافتراض القائل بأن الحقيقة شيء “مقدس” أو “متعال” اكتشفناه بالصدفة ويطرح بدلا من ذلك أنها أداة صيغت لخدمة غايات معينة مثل:
أ-: الأمان والبقاء: الإنسان بحاجة إلى عالم “ثابت” ليتمكن من العيش والحقيقة في أصلها هي مجموعة من المفاهيم “المستقرة” التي تجعل العالم قابلا للتنبؤ ومن ثم التحكم.
ب-: النظام: خلف البحث عن الحقيقة غالبا ما تكمن رغبة في فرض نظام على الفوضى لأن الإنسان لا يمكن أن تستمر حياته في الفوضى و لذلك الحقيقة هنا ليست مرآة للواقع بل هي “بناء” نضعه نحن في الواقع لنتحكم فيه من أجل بقائنا والبقاء هو المصلحة العليا التي تنضوي تحته كل المصالح.
ولهذا ينبهنا نيتشه في النهاية أن الحقيقة تتحول إلى أداة هيمنة لهدف البقاء و بتتبع علة ذلك أي كيف تحولت “الحقيقة” عبر التاريخ من أداة للبقاء إلى “قيمة عظمى” فنرى ذلك في:
1.المرحلة الميتافيزيقية أفلاطون: يرى نيتشه أن أفلاطون هو الجاني الأول حيث فصل بين “عالم الحقيقة” (عالم المثل) و”عالم الظواهر” (عالمنا الحسي). و جعل الحقيقة في مكان بعيد ومثالي مما جعل عالمنا الحسي يبدو ناقصا أو كاذبا.
2.المرحلة المسيحية: ورثت المسيحية هذا التوجه حيث تحولت “الحقيقة” إلى “الله”. وأصبح البحث عن الحقيقة واجبا أخلاقيا وعبادة هنا فقدت الحقيقة استقلاليتها وأصبحت خادمة للدين.
3.المرحلة العلمية: يجادل نيتشه بأن العلم الحديث لم يتخلص من هذا النزوع بل لا يزال يبحث عن “حقائق مطلقة” بنفس الطريقة التي كان يبحث بها اللاهوتيون عن “الحقيقة الإلهية”.
واستكمالا للتحرر يعلن نيتشه موت الإله” كعملية تحررية – طبعا هو يقصد موت فكرة الإله في الديانة المسيحية- و عبارة “موت الإله” لا تعني بالضرورة توقف الناس عن الاعتقاد الديني بل تشير إلى تحول جذري في بنية الثقافة والحضارة الغربية ولها أبعاد وتداعيات مثل الانهيار الأخلاقي والميتافيزيقي حيث كان الإله في الفلسفة الغربية هو “المركز” الذي يمنح الأشياء معناها فهو المشرع للأخلاق ومصدر الحقيقة المطلقة والضامن للنظام الكوني.
عندما يقول نيتشه ب”موت الإله” فهو يعني إن الإيمان المطلق بهذا المركز قد تلاشى نتيجة التنوير بالعلم والعقلانية.
لم يعد الإله “حقيقة” تسيطر على توجيه مسار التاريخ أو الفرد كما كانت في السابق.
كذلك فقدان المرجعية الثابتة بما أن الإله كان المرجع الأساسي للقيم (الخير، الشر، العدالة) فإن “موته” يعني ضياع البوصلة الأخلاقية. الإنسان في هذه الحالة يجد نفسه أمام “عدمية” أي الشعور بأن العالم فقد غايته ومعناه. هذا الموقف يضع الإنسان في مأزق: إذا لم يعد هناك إله يحدد قيمنا فمن يحددها؟ والجواب هو المسؤولية الفردية (خلق القيم).
نيتشه كان يرى في هذا الموت خطرا وفرصة في آن واحد الخطر هو الانزلاق نحو العدمية واليأس فالله في ذهن الإنسان هو حامل القيم والاخلاق فإذا سقط الحامل سقط المحمول.
أما الفرصة فتكمن في أن يتحرر الإنسان من الوصاية وصاية رجال الدين المنتفعين بالدين ورجال السياسة الذين يوظفون الدين لمصالحهم الشخصية.
بـ”موت الإله” أصبح على الإنسان أن يخرج من مرحلة الإنسان “القاصر” الذي ينتظر الأوامر ليدخل مرحلة الإنسان “خالق القيم”.
هذا هو جوهر مفهوم “الإنسان الأعلى” الذي يدعو إليه نيتشه وهو الفرد الذي يمتلك القوة والشجاعة ليخلق منظومته الأخلاقية الخاصة به بعيدا عن السلطات الغيبية.
في كتابه “العلم المرح”- حيث وردت العبارة لأول مرة- يصف نيتشه هذا الموت كحدث “مروع”. هو يدرك أن البشرية بفقدانها لهذه المرجعية ستدخل في صراعات الهوية العنيفة بحثا عن بدائل مثل: الأيديولوجيات القومية أو السياسية المتطرفة التي تحل محل الدين لأن “العدمية” حالة يصعب على النفس البشرية البسيطة تحملها.
نيتشه هنا يقرر حقيقة تاريخية وهي أن “الميتافيزيقيا المسيحية” فقدت مصداقيتها أمام تطور العقل البشري. و “موت الإله” هو دعوة للإنسان ليتحمل مسؤولية وجوده ليصبح هو المصدر الوحيد للمعنى في عالم فقد فيه المعنى المطلق.
و عندما يعلن نيتشه أن “الإله قد مات” فهو لا يطرح إلحادا عاديا بل يشخص حالة حضارية هي أن الدين فقد قدرته على إعطاء معنى للوجود في العالم الحديث لأن العلم والعقل أظهرا أن العالم لا يحكمه إله يهتم بالبشر كما في الواقع وأنت ترى فوضى الكائنات وسحق القوي للضعيف والموت المجاني في الكوارث الطبيعية والحروب. ومع موت الإله تسقط المرجعية التي كانت تضبط الأخلاق.
كما قال دستوفسكي: “إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح”.
الدين كان “عكازاً” للإنسان ومعيارا يمسك الاخلاق والآن بعد أن كسر نيتشه هذا العكاز يجب على الإنسان أن يقف لوحده في مواجهة الكون الصامت ويعتمد على قواه العقلية الخاصة ويصبح هو المشرع لقيمه.
الدين بالنسبة لنيتشه كان “مرحلة الطفولة” للبشرية والآن يجب أن ننتقل لمرحلة النضج.
تفكيكه التاريخي لهذا المفهوم يهدف إلى “تحرير” الإنسان من وهم بناه التاريخ. فإذا كانت الحقيقة مجرد بناء تاريخي فإننا لسنا ملزمين بعبادتها كقيمة مطلقة. نحن نملك القدرة على “خلق” قيمنا الخاصة بدلا من الانصياع لقيم موروثة.
تساؤل نيتشه هو دعوة لـ “قلب القيم”. هو لا يطالبنا بترك العلم أو العقل بل يطالبنا بالتوقف عن تقديس “الحقيقة” كصنم ميتافيزيقي.
هو يدعونا إلى التأمل في التالي:
أولا: الدافع:
لماذا نبحث عن هذه الحقيقة بالذات في هذا الوقت بالذات؟
ثانيا: الأثر: هل هذه الحقيقة تعزز الحياة وتدفعها نحو الإبداع أم أنها تُضعفها وتجعلنا ننتظر خلاصا في عالم آخر؟
يريد نيتشه أن يجعلنا “مبدعين” للقيم لا “مستهلكين” لحقائق فرضها علينا المتحكمون في التاريخ والمهيمنون على الميتافيزيقا.
فإذا كانت “الحقيقة” هي قناع ارتداه التاريخ لأغراض سياسية أو دينية فالمطلوب منك ليس البحث خلف القناع عن حقيقة أعمق بل خلع القناع تماما لتبدأ في ممارسة حريتك الإبداعية في تحديد ما هو “عظيم” وما هو “تافه” في حياتك حتى لو كان دين آبائك وأجدادك العظام.
إستحالة العدمية القيمية الخالصة:
عبر إعلان موت الإله وضرورة خلق الإنسان لقيمه الخاصة.
ما فات نيتشه في هذا المجال إن الإنسان – حتى غير البسيط أحيانا – لا يمكنه العيش بلا مرجعيات عليا وأن الصراع الفكري غالبا ما يكون صراعا بين “مقدسات” قديمة ومقدسات مستجدة تلبس ثوب العقلانية أو العلمية لتحاكم التاريخ وما فيه. إن ما يظنه البعض عداءً للمقدس هو في الحقيقة انتصار لمقدس آخر فالإنسان يبحث دوما عن “يقين” يقيم من خلاله العالم وهذا اليقين يستمد قوته من كونه موضوعا “فوق تاريخي” لا يقبل النقاش لدى معتنقيه لأن الإنسان دون مقدس سوف يقف على عدمية قيمية لا تسمح له بالتقويم أصلا.
والعدمية القيمية ليست مجرد موقف فلسفي يتبناه أصحابه بوعي وحرية بل هي الهاوية التي يقف عندها كل من يظن أنه تجاوز الحاجة إلى المرجعيات العليا لأن نفي المقدس لا يُفضي إلى التحرر بل يُفضي إلى انهيار الأداة التي يقوم عليها التقييم ذاته. فالإنسان حين يعدم مرجعيته العليا لا يتحرر من القيد بل يفقد المعيار الذي يميز به الصواب من الخطأ والجميل من القبيح والعدل من الظلم إذ كل حكم قيمي مهما بدا بسيطا ينطوي في عمقه على أفتراض سابق بأن ثمة شيئا يستحق الترجيح عليه. وهذا ما جعل نيتشه حين أعلن موت الإله يُدرك قبل غيره أن الإنسان لن يجلس بعدها في سكينة بل سيقف مذهولا أمام فراغ لا يعرف كيف يملأه فالعدمية في تشخيصه ليست وجهة يُسار إليها بل مرض يُصاب به من يقطع الخيط الرابط بين وجوده وأفقه الأعلى. وهذا الفراغ لا يظل فراغا طويلا لأن الطبيعة النفسية للإنسان تأبى العدم القيمي وتسارع إلى ملئه بمرجعية بديلة سواء أكانت أمة أم طبقة أم عرقا أم علما وهي جميعاً تؤدي الوظيفة الوجودية ذاتها التي كان يؤديها المقدس التقليدي أي منح الفرد يقينا “فوق تاريخي” يقف عليه ويحاكم من موقعه الأحداث والبشر والتاريخ. ومن هنا يتضح أن العدمية القيمية الخالصة مستحيلة إنسانيا لا لضعف في الإرادة بل لأن التقييم شرط بنيوي في وجود الإنسان كموجود ناطق يعيش في زمن ويتخذ خيارات وكل خيار يفترض سلما قيميا ولو ضمنيا. وعليه فإن من يدعي العدمية لا يعيشها فعلا بل يحيا على رصيد مرجعيات لم يبنها هو أو على مقدس جديد لم يعترف به بعد لنفسه وفي كلتا الحالتين يظل الإنسان ما كان دوما ذلك الكائن الذي لا يستطيع أن يعيش تحت سماء خالية من معنى يحمله. قد يزدري المثقف الواعي إله الأديان و لا يؤمن به ويعتبره مستحيلا لكنه سيظل متعطشا إلى ذلك السر الكامن وراء هذا المستحيل.
للحديث بقية.