د. فاضل حسن شريف
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” ﴿هود 112﴾ وبعد ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة ورمز نجاحهم ونصرهم، وبعد تسلية قلب النّبي صلى الله عليه واله وسلم وتقوية إِرادته، يبيّن القرآن ـ عن هذا الطريق ـ أهمّ دُستور أُمر به النّبيصلى الله عليه واله وسلم وهو “استقم كما أُمرت” ﴿هود 112﴾. (استقم) في طريق الإِرشاد والتبليغ استقم في طريق المواجهة والمواصلة استقم في أداء الوظائف الإِلهية ونشر التعليمات القرآنية. ولكن هذه الإِستقامة ليست لينال فلانٌ أو فلان مستقبلا زاهراً، وليست للرياء وما شابه ذلك، وليست لإِكتساب عنوان البطولة، ولا اكتساب (المقام) أو (الثروة) أو (الموفقية) أو (القدرة)، بل هي لمجرّد طاعة الله واتباع أمره “كما أُمرت”. كما أنّ هذه الإِستقامه ليست عليك وحدك، فعليك أن تستقيم أنت “ومن تاب معك” استقامة خاليةً من كل زيادة ونقصان وإِفراط أو تفريط “ولا تطغوا”إِذ “إِنّه بما تعملون بصير” ولا تخفى عليه حركة ولا قول ولا أي خطّة أُخرى الخ. المسؤولية الكبيرة. نقرأ في حديث معروف عن ابن عباس أنّه قال: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلمآية كانت أشدّ عليه ولا أشقّ من هذه الآية. ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: أسرع إِليك الشيب يا رسول الله قال:صلى الله عليه واله وسلم (شيبتني هود والواقعة). ونقرأ في رواية أُخرى أنّ النّبيصلى الله عليه واله وسلم قال حين نزلت هذه الآية: (شمّروا شمّرُوا فما رُئي ضاحكاً). والدليل واضح، لانّ أربعة أوامر مهمّة موجودة في هذه الآية يلقي كل واحد منها عبئاً ثقيلا على الكتف. وأهمها الأمر بالإِستقامة الإِستقامة (المشتقة من مادة القيام) من جهة أنّ الإِنسان يكون تسلطه وسعيه في عمله حال القيام أكثر الإِستقامة التي معناها طلب القيام، أي أوجِدْ حالةً في نفسك بحيث لا تجد طريقاً للضعف فيك، فما أصعَبه من أمر وما أشدّه؟
ويستطرد الشيخ ناصر مكارم الشيرازي قائلا: غالباً ما يكون النجاح في العمل أمراً هيّناً نسبياً لكن المحافظة على النجاح فيها كثير من الصعوبة وفي أي مجتمع؟! في مجتمع متأخر متخلف في مجتمع بعيد عن العلم والتعقل.. في مجتمع لجوج وبين أعداء كثيرين معاندين وفي سبيل بناء مجتمع سالم وحضارة انسانية زاهرة فالإِستقامة في هذا الطريق ليس أمراً هيّناً. والأمر الآخر: أن تحملَ هذه الإِستقامةُ هدفاً إِلهياً فحسب، وأن تكون الوساوس الشيطانية بعيدة عنها تماماً، أي أن تكتسب هذه الاستقامة أكبر القدرات السياسية والإِجتماعيّة من أجل الله. والأمر الثّالث: مسألة قيادة أُولئك الذين رجعوا الى طريق الحق وتعويدهم على الإِستقامة أيضاً. والأمر الرّابع: المواجهة والمبارزة في مسير الحق والعدالة والقيادة الصحيحة وصدّ كل أنواع التجاوز والطغيان، فكثيراً ما يبدي بعض الناس منتهى الإِستقامة في سبيل الوصول للهدف، لكن لا يستطيعون أن يراعوا مسألة العدالة، وغالباً ما يبتلون بالطغيان والتجاوز عن الحدّ. أجل مجموع هذه الأُمور وتواليها على النّبي حمّلته مسؤولية كبرى، حتى أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما رُئي ضاحكاً وشيّبته هذه الآية من الهمّ. وعلى كل حال فإنّ هذا الأمر لم يكن للماضي فحسب، بل هو للماضي والحاضر والمستقبل، وهو للأمس واليوم والغد القريب والغد البعيد أيضاً. واليوم مسؤوليتنا المهمّة ـ نحن المسلمين أيضاً، بالخصوص قادة الإِسلام ـ تتلخّص في هذه الكلمات الأربعة. وهي: الإِستقامة، والإِخلاص، وقيادة المؤمنين، وعدم الطغيان والتجاوز. ودون ربط هذه الأُمور بعضها الى بعض فإنّ النصر على الأعداء الذين أحاطونا من كل جانب من الداخل والخارج، واستفادوا من جميع الأساليب الثقافية والسياسية والإِقتصادية والإِجتماعية والعسكريّة هذا النصر لايكون سوى أوهام في مخيلة المسلمين.
عن موقع مؤسسة الامام عبد السلام ياسين مركزية القرآن في تفكيك بنية الاستبداد عند الأستاذ عبد السلام ياسين للدكتور فرهاد إبراهيم أكبر الشواني: فإن الإسلام كمنهج إلهي مستمد تعاليمه من خالق ارتضى لعباده أن لا يتركهم بعد الخلقة في اضطراب من الأمر، وحيرة في المعيشة، وضياع للهدف الذي وجدوا من أجله وهو عمارة الأرض على الطاعة، والقيام بالمصالح الذاتية، فضلاً عن الحفاظ على حاجات المجتمع بصورة تناسب الإطار العام للوجود الإنساني الذي لا يستغني أفراده عن البعض في قالب التآلف، والتعاون على الخير، وما فيه صلاح للجميع، وهذه الحقيقة لا تتحقق بمجرد الاجتماع والتوحد على تلبية ما مضى من المتطلبات، بل هو في أشد احتياج لقيادة حكيمة، وإمامة رشيدة تترأس تلك الجماعة، فتمضي بها قدماً نحو الكمال الذي رسمته الشريعة، وأرادته لبني البشر، وأن الحفاظ على تلك الرئاسة يكون بوجوب السمع والطاعة لها وفق ما أمر به الباري جل وعلا بقوله: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا” (النساء 59). فإذا قام الإمام بمهمته، وأدى ما عليه من حقوق وواجبات تجاه رعيته بما يوافق الشرع، فقد وجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة ما لم يتغير حاله، فإن تخلف في واجبه، أو قصر في أداء حقوقهم تلبس في الظلم، فإن تمادى في ذلك، بأن صار سبباً لفتنتهم، وإشاعة الفاحشة بينهم، وجرِّهم إلى المعاصي، لم يبق ذلك الحق على الأمة، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَة”. ومن يتتبع أحوال الشعوب ولاسيما المسلمة منها ليلتمس الواقع المؤلم، والحال المرير التي تمرُّ بها، فالبؤس داهمها، والجوع أفتك بها، والفرقة مزقتها، والضعف والهوان خيمّ عليها، وسبب ذلك فساد ولاة الأمور لما أقبلوا على الدنيا الفانية وحرصوا على التمسك بالسلطة، والتربع على العرش، واحتكار مقاليد الحكم للأهل والعشيرة، فحملوا لواء البلاد فوق جثث رعيتهم، وتغنوا بالمجد وهم في أحضان الخنا والموبقات مستندين على أكتاف اليهود والصليبيين يأتمرون بأمرهم، ويستنون بسنتهم، فضلوا وأضلوا. هذا وينتقد الشيخ عبد السلام تلك السياسات الاستبدادية التجويعية التي تدعي تأمين الرفاهية لرعيتها وما هي إلاّ أوهام وأهازيج ينقضها الواقع المتردي الذي وصل إليه المستضعفون، فيقول: “كاد الفقر أن يكون كفراً” كما قال الإمام علي كرم الله وجهه، والفقر والظلم كفران، يكادان يعاني منهما المستضعفون في الأرض، وجمهورُهم من المسلمين، ويرزَحون تحت نيرِهما، ويحِنّون إلى التحرر منهما. هات لي حرية، أية حرية عملية، لا تطعمني آمالا ومبادئ مثالية هات لي عدل الخبز اليومي، عدل العمل، عدل الأجر على العمل، وعدلا ينقذ طفلي المريض، وعدلا يعطيني سكنا أخرج من كوخ البؤس هات لي حرية الكرامة وعدل الكفاية ثم اسألني بعد ذلك ما شئت”. والفقر يؤدي إلى الجزع على الدنيا، والخوف على فوات النصيب منها، مما يدفع إلى الصراع من أجلها، وسفك الدماء، وارتفاع معدلات الجريمة، فضلاً عن ذلك أن الفقر هو الذي يدفع بالإنسان لأن يقدم على قتل ولده، قال تعالى: “وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيرًا” (الإسراء 31). يقول الشيخ: ” كانت العرب في جاهليتها شديدة الغيرة على النساء، وكانت النساء عفيفـات يخشين ما يخدش شرفهن كما يخشين الموت، واشتط رجال بعض القبائل في الخوف من العار والفقر فوَأدوا المرأة رضيعة قبل أن يغير عليها مغير فتسبى فتذل، الموت ولا الذل”. ويقول في موضع آخر: ” أما مذهب تحديد النسل فلا مكان لذكره، حتى التلفظ به. وحرمته واضحة قبل الشاهد كما يعبر الشاطبي، قال الله عز وجل: “ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا”، وإنما يدعو من يدعو لتحديد النسل مخافة أن يموت المخلوقات جوعا، وإنه لابتلاء من الله عز وجل لقدرتنا على الكسب، وعلى تطويع الاقتصاد لئلا ينتج مادة الترف بل مادة الحياة الأساسية، واسمعوا يا مؤمنين منادي القدرة الإلهية ينادي على رؤوسكم: “نحنُ نرزقهم وإياكم”، فاتخذوا الأسباب، أنتم مرزوقون مثلهم، فاجعلوا من رزقكم أن تكسبوا وتنتجوا، لا مجال في الإسلام أن يتخذ تحديد النسل مذهبا، والاجتهاد لكسب قوت العيال عبادة، والله عز وجل يرزقنا وإياهم، وهو الرزاق ذو القوة المتين”.
ويستطرد الدكتور فرهاد إبراهيم أكبر الشواني قائلا: والأساليب التي ينتهجها الرؤساء وأئمة الظلم في جر الأمم إلى الفسق والمجون كثيرة ذكرها القرآن الكريم، وقد أشار إليها الشيخ عبد السلام ياسين في مصنفاته، وتتمثل فيما يأتي: أولاً: إشاعة الفقر بين الناس، واستخدام سياسة التجويع، حتى يتسنى لهم السيطرة عليهم، وبالتالي إخضاعهم لرغباتهم وشهواتهم، فيملون على الأمة ما يقوي سلطتهم، ويجبرونها على الانصياع لكل ما يبغون. ولخطورة الفقر على الإنسان نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يدعو ربه ملتجأً: “اللهم إني أَعُوذُ بِكَ من الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ”. يقول الشيخ عبد السلام: ” الفقر والكفر توأمان متلازمان، الرأسمالية العالمية تفقر بلاد المسلمين بنهب خيراتها، واستقطاب أموالها، تبيع السفهاء منا آلات اللهو، ووسائل المتعة، والمصانع التي يتطاول بها حكام الجبر من أجل الفخفخة، وتفقر أنظمة الجبر أدمغتنا بإعلامها الملون المبهرج، الساري المتحكم في كل مجالات حياتنا، فإذا أدمغتنا المغزوة، المفقرة لا تستطيع الكشف عن أسباب نشوء طبقية يتجاورُ فيها البذخ الفاجر مع البؤس الأسود، الخمور المعتقة معروضة على السفهاء، والقمح الأمريكي يمن به شيطان الجاهلية علينا معشر المحاويج في بلاد المسلمين الخصبة التي لا تطعم سكانها.لماذا لا تطعم سكانها ؟هناك فقر وهناك كفر، وابحث عن الكفر كلما رأيت فقرا، وانتظر الفقر كلما رأيت كفرا، ويفقر الاستكبار الرأسمالي، بعد الأرض والجيوب والأدمغة، الرجولة والشهامة، وإرادة التحرر ونية الجهاد، يميت هذه المعاني السامية حين يمسخ شخصيتنا، ويميع أخلاقنا، ويغرق أسواقنا البضائعية والفكرية بسلعه الاستهلاكية وقيمه البهائمية. تستكبر فينا طبقة حليفة للشيطان”. وبعبارة أخرى وضّح فيها الشيخ عبد السلام بأن الفقر مقترن بالكفر، لكونه يدفع الإنسان إلى التهاون في اقتراف المحرمات، وارتكاب مجموعة من الأفعال القبيحة التي تؤول إلى فساد المجتمع في حال غياب الإيمان أو ضعفه، فالواقع المؤلم يحكي لنا قصصاً مؤسفة تدمع لها القلوب والأبصار وذلك عندما باتت المرأة العفيفة، والوالدة الشريفة في أحضان الخنا تبيع طهارتها من أجل كسب القوت للعيال بعدما هتك الفقر بأسرتها، وكم من شاب فقير لم يملك المال لأن يحصن نفسه بالزواج فوقع في الحرام. يقول الشيخ: ” في المجتمعات المعكوسة المنكوسة يُسَهَّل الزنى ويشجع، وتُغَنِّى بِحُدائِهِ وسائلُ الإعلام الرسمي، ويُتغالى في المهور والتكاليف والشروط على الخاطب، فأي إفساد هذا! وليس هذا بأصغر العوامل في تفشي الزنى، ولعله بعد عامل الفقر والبؤس الذي يدفع بنات الناس للشارع يلتمسن لعائلتهن الرزق بكل وسيلة يجيء في مرتبة مع النماذج الانحلالية في وسائل الإعلام”. وجاء عن قتادة في تفسيره لقوله تعالى: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”(الإسراء 16)، قائلاً: “إذا أراد الله بقوم صلاحاً، بعث عليهم مصلحا، وإذا أراد بهم فساداً بعث عليهم مفسدا، وإذا أراد أن يهلكها أكثر مترفيها”. ومما سلف يتبين لنا مكمن الداء الذي نزل بالأمة لما حادت عن طريق الفلاح، وزاغت عن المنهاج الرباني المرسوم لها فعاقبها الله تعالى بأئمة غلاظ شداد، لا يبالون بعافية ولا شافية، وإنما همهم تمكين سطوتهم، وتقوية عروشهم، وبسط نفوذهم. ومن هنا كان من الجدير بنا أن نبيِّن أهم الأفكار التي عرضها الشيخ عبد السلام ياسين مستنداً على ما رسمه القرآن الكريم من خطة وطريق للنجاة من الواقع المؤلم الذي يمر به المسلمون، وإبراز أهم الحلول والأساليب والوسائل التي لابد أن تتخذ من أجل منع الحكام وولاة الأمور من الاستبداد بالحكم وتفكيك بنية الاستبداد والجور وتتمثل فيما يأتي: أولاً: التوبة إلى الله تعالى، والإنابة إليه، يقول الشيخ عبد السلام: ”وقد رتب الله عز وجل إنعامه على العباد باستقامتهم له. فمن أهم ما نتخذ من أسباب للخروج من التخلف، واستدرار الرزق، أن نرجع إلى الله ربنا. قال نوح لقومه: “وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا” (نوح 10-12)، التوبة والإيمان والتقوى علاج تخلفنا وبؤسنا التاريخي، وشعب الإيمان بضع وسبعون، احسب منها إن شئت حسن تصريف الأموال، وجهاد العدو للتحرر من التبعية له، والحرص على الكسب الحلال، وإيتاء الزكاة بعد إقامة الصلاة، إلى غيرها من العلم والابتكار وإصلاح الزراعة وتوطين الصناعة، ومحاربة الاحتكار والتبذير الشيطاني”. ثانياً: الخشية من الله وحده لا سواه، وتمكن هذه الملكة من القلب تجعل الإنسان متفانياً في طاعة الله ومحتكماً لشريعته في سره وعلنه، لا يخاف من لومة لائم، ولا من ظلم مستبد غاشم، قال تعالى: “الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا”(الأحزاب 39). يقول الشيخ ياسين: “وخشية الله مقامُ الرسل ومقامُ أولي العلم”. ويقـول أيضا: ” فهذه وظيفة رجال الدعوة العلماء بما أنزل الله على رسوله، الخاشعين لله، إليهم يتحاكم المسلمون، ولأمرهم يطيعون في محل النزاع إليهم لا إلى غيرهم، إليهم إن كانوا سائرين مع القرآن لا تابعين خانعين مستسلمين للسلطان، من هم علماء الدين وفقهاء الملة، ما سِمَتُهم؟ ما ضمان استقامتهم؟ علماء القصور وُعاظ السلاطين يُسخِّرون ذلاقة لسـانهم لدعم الكذب والبهتان، يخشون الناس ولا يخشون الله، يطلبون المنـزلة عندهم أوْ يُدارونَهم ابتداء حتى تنـزلق الأقدام وتألف الرقابُ أغلالها. أما الصادقون فهم الذين وصفهم رب العزة سبحانـه قائلا: “إنما يَخشى الله َمِن عِبادهِ العلماءُ” (فاطر 28)”