الترحم على من نهب الشعب قلب للقيم وتثبيت لتخلف الوعي

صائب خليل

مقالة تكيل المديح والتبجيل لأحد ابشع لصوص التاريخ العراقي جشعا وتدميرا، تحصل على مئات اللايكات واكثر من مئة تعليق مؤيد مترحم، فمن هو كولبنكيان؟

إنه رجل تركي ارمني كان يعمل في شركة المانية قامت بمسح العراق بحثا عن النفط، وكانت له علاقة ودية بالحكم العثماني الذي اباد وهجر اهله. استغل احداث الحرب العالمية الأولى ليسرق اوراق الشركة الالمانية الخاصة بالمسح الجيولوجي للعراق ويحتفظ فيها بمنزله.

.

وحين احتل الانكليز البلد، سارع إلى عرض الوثائق التي سرقها من مكاتب الشركة التي كان يعمل فيها، على شركات النفط البريطانية والفرنسية، مقابل مشاركته في جهودها المحمومة للسيطرة على ثروة البلد، بل قام بالسعي لتنظيم كارتلات الشركات النفطية البريطانية والفرنسية ليحد من تنافسها ويوحد جهودها بمواجهة الحكومات العراقية، وليقوم بنفسه بالمفاوضات مع الحكومة العراقية ممثلا عن تلك الشركات، وهي الجهود التي انتجت في النهاية “شركة النفط التركية” (ثم سميت “شركة نفط العراق”) وعقودها التي نهبت نفط البلد لعقود طويلة قبل ان يؤمم.

.

حصل كولبنكيان المبجل مقابل جهوده القذرة تجاه العراق على حصة هائلة من النفط تمثل 5% من كل ما تم استخراجه من ارض العراق، منذ العشرينات حتى التأميم في بداية السبعينات! ثروة أوصلته ان يعد أحد اكبر أثرياء العالم، حيث قاربت ثروته المليار دولار حين لم تكن هذه الأرقام منتشرة بعد، في الوقت الذي كان غالبية الناس في العراق يعيشون فقرا وتدهورا صحيا.

.

قام كولبنكيان بـ “التبرع” لأعمال “خيرية” في العراق، مثل بناء ملعب الشعب ومعرض قاعة الفنون في المنصور في بغداد وغيرها، فقام من يتذكره بتمجيده وكيل المديح له على هذه “التبرعات” (التي قد تكون غسيل اموال يمارس بكثرة اليوم) دون ان يسأل من اين جاءت اموالها؟

.

إن ظاهرة مديح السفلة في الشعوب المتخلفة ثقافيا ظاهرة عامة. ففي العراق يمتدح مثلا نوري السعيد، وهو احد ابشع من مر من ساسة في تاريخ العراق واكثرهم انحطاطا اخلاقيا، وتوضع صورته في قاعة احدى كليات تدريس السياسة امام الطلاب، لتثبيت انقلاب القيم. كذلك يتم تبادل بعض مقولات تشرشل باعجاب، بين الشعوب التي استعمرها واهانها اشد الإهانة والاحتقار، حينما كان وزيرا للمستعمرات في بلده.

.

العلة في هذا الخلل، خلل تمجيد من سرقه او آذاه او احتقره، هي عدم وعي المواطن بقيمته وبحقوقه كإنسان في العالم وكمواطن في بلده، وانه المالك الشرعي لثرواته وهو الحاكم الذي يعين الحكومات كوكلاء عنه. لو كان يشعر بذلك لغضب ممن نهب 5% من كل ما استخرج من ارضه من نفط لنصف قرن، بدلا من ان يشعر بالامتنان له لأنه بنى له ملعباً!

مثل هذه المقالات تثبت هذا الخلل و”تطبع” المواطن عليه وعلى الخنوع والدونية المتضمنة فيها، وتطيل أمد غفوته عن حقوقه لصالح نهابه.