رعب الكلمة والصوت. ….

حسن درباش العامري

تعتبر الكلمة الحرة والخطاب الحر ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي الخط الدفاعي الأول عن الإنسان بوجه التمادي الحكومي وانحرافاته وتجاهل الحقوق او التقصير بالخدمات، حين تصمت البنادق وتُشترى المواقف. فالقلم الذي يُكتب بصدق والصوت الذي يصدح ، هو السدّ الذي تتحطم عليه نزوات الطغاة وتجبرهم ، وهو الصوت الذي يعيد للحقوق المسلوبة حضورها ، ويدفع عجلة العدالة والتنمية إلى الأمام.

لكن ما يحدث اليوم ليس انحرافًا عابرًا، بل محاولة منظمة لتدجين الكلمة وتحويلها من أداة مقاومة إلى أداة تلميع وكتم الانفاس من اجل اخراس الصوت الذي يطالب بحقوق المواطنة الحقيقية . فحين تتدخل الحكومات في توجيه الأقلام، لا يعود الكاتب شاهدًا على الحقيقة او يكون الصوت راصدا للانحرافات، بل يتحول إلى موظف علاقات عامة او صوت مأجور ينطق مايطلب منه ، يبيع الوهم للناس ويغطي فشل السلطة بثوب الإنجاز.

فقد يبحث المسؤول عن الاجتماع ، ببعض الكُتّاب والمحللين المقربين ،حدثًا عابرًا، بل يكون نموذجًا فاضحًا لكيفية صناعة “الرأي الموجّه”. فقد يتم انتقاء الحاضرين بعناية من واصحاب الصوت العالي والمسموع ، ليس على أساس الكفاءة أو الاستقلال ، بل على أساس الامتثال ومن اللاهثين خلف الدولار والمناصب ويتم تجنب الوطنيين ومن لايبع شرفهه المهني ، ليُعاد تشكيل وتوجية خطابهم بما يخدم تمجيد الحكومة بدل محاسبتها. او انتقادها او تسليط الضوء على مواطن الفشل والتقصير ، وهذا مايفسر الية الاختيار.

وهنا تكمن الخطورة: حين يُطلب من أصحاب الكلمة أن يصفقوا بدل الانتقاد ، وأن يبرروا بدل أن يكشفوا، فإننا لا نخسر نقد السلطة فقط، بل نخسر آخر ما تبقى من توازن في المجتمع. لأن الكلمة إذا انحنت وركعت، لن يبقى شيء يقف بوجه الانحراف.

إن الكاتب الحقيقي لا يُستدعى ليُلقَّن والمحلل هو من يرى الاشياء فيحب بقول الحقيقة لا النفاق ، ولا يُنتقى ليُروَّض، بل يُحترم لأنه حر.والصقر ان دجن بالقفص صار دجاجة وأي سلطة تخاف من الكلمة، هي سلطة تعرف في قرارة نفسها أنها عاجزة عن مواجهة الحقيقة.