الرفاعي…رجل دين بلباس أفندي

داود السلمان

السيد عبد الجبار الرفاعي عرفته ككاتب بحدود خمسة عشر سنة، وأول كتاب قرأت له “الفلسفة الاسلامية” بجزأين، وكان الكتاب سطحي، وليس فيه عمق معرفي، وقد أعترف هو نفسه بهذا، في لقاء له أجراه اتحاد الادباء والكتاب في العراق قبل أكثر من عام.

وحل كتابه “الدين والظمأ الانطولوجي” بع قراءته كتبت عنه مقال قبل سبع سنوات، ونشرته على بعض المواقع الالكترونية، وقد حاولت في المقال تفنيد بعض ما جاء في الكتاب، وأرسلت المقال المذكور اليه. ومن جملة ما قلت في المقال: إن الرفاعي موغل أكثر من اللازم، في قضايا الدين، وساعتها الرجل زعل، وحظرني وقتها من على الفيس، فترة محدودة، ثم رفع عني الحظر.

الحقيقة، بعض الكتاب والمفكرين الاسلاميين، لا يتحملون النقد، إذ يعدون أنفسهم “معصومين”، ورأيهم غير قابل للنقاش، وهنا تكمن قمة الخطورة، فالذي يرى هذه الرؤية لا يمكن أن يُناقش، أبدا.

السيد الرفاعي، في مقال له تحت عنوان “علي الوردي وعلي شريعتي” فيه يُعد الوردي مثقف حقيقي (وأتفق معه بشدة) وعلي شريعتي يقول عنه أيديولوجي نمطي، حيث ينتقده ويفند آراءه، مع العلم أن الرفاعي وشريعتي، هما يحملان نفس الاطار الفكري، والايقاع المعرفي. الرفاعي ينتقد شريعتي من المنطق ذاته، ويصفه بالأدلجة الفكرية، فالرجل – الرفاعي – يعلم أو لا يعلم، أن أفكاره مطابقة أيضا وأفكار شريعتي، بل أنني أميل الى شريعتي أكثر، فهو رجل ثوري أخاف السلطة وانتقد بعض رجالات الدين وأفكارهم (الخطوة التي لم ولن يفعلها الرفاعي)، حتى قتلوه في قضية معروفة، وحادثة يدركها الجميع.

السيد الرفاعي “حفظه الله” شديد الحديّة الدينية، وهو واضح في معظم كتبه، لا يتساهل، قاس في طرح القضايا الدينية. ولا نستغرب، فالرجل يحمل أفكار “الدعوة” ولو أنه استقال منذ زمن طويل، لكن بحسب علمي، بقيت أفكاره لم تتغير، إلا الشزر اليسير.

هذا، وإن طروحات سيد قطب التي يحملها اخوان المسلمين، والتي تسربت الى “الدعوة” ما تزال سارية المفعول، حيث جميع الحركات الاسلاموية، تدين بالولاء الى قطب، وليس من السهولة بمكان أن يتنازل مَن يرى بأن قطب وهو مثله الاعلى. وفي هذا المقال لا أدين ولا أشجب، ولا أتهم السيد الرفاعي “حفظه الله” بانتمائه لهذا الرجل، قطعا: لا، لكن كثير من أفكاره هي قريبة من الطروحات ذاتها، التي يطرحها قطب.

كنت أتمنى على السيد الرفاعي، أن يخفف الوطأة على قراءه وهو بهذا الطرح، المتشنج، والموضوعية فائضة طرح ما يرغب طرحها في القضايا الدينية، ما يترتب عليها من أمور.

إن ما يمر به انسان اليوم، من أزمة نفسية، وعنفية بسبب الدين، أو بالأحرى بعض رجال الدين المتشنجين، من الذين يفسرون النصوص المعتبرة بحسب أهوائهم، وميولهم العقدية، وما في ايديهم من تراث، ما عكس ردة فعل سلبية حول الدين، وصار الكثير ينظر بنظرة فاحصة للدين، ورجال الدين. لذلك صارت ثمة فوضى فكرية، إرتدادية، جنى البعض مردودها السلبي، وهو ما يهدد السلم المجتمعي.

إن موضوعة الدين صارت مادة دسمة لكل من يرغب في الخوض بغمارها، خصوصا العقود الأربعة الأخيرة، وهذه، بحد ذاتها، تعول الى عدّة عوامل، منها نفسية، ولعل أهما التداخل الذي صار راكزا، بين الدين والسياسة، لا سيما فترة ما يسمى بالربيع العربي، وما جرى تحت ظله من كوارث، لا يجهلها المتابع الحاذق.

ففي كتابه “الدين الظمأ الأنطولوجي” (وقد قرأته بنسخة الكترونية) في حينها، يرى السيد الرفاعي “حظه الله” فيه:

إنّ “«الظمأ الأُنطولوجي للمقدس» يعني افتقارَ الإنسانِ إلى ما يُثري وجودَه، ويكرِّس كينونته، ويمنحه وَقُودًا لحياته. حياة هذا الكائن تفتقر إلى طاقة داخليَّة تحركها، وتُشبع حاجتَه لما تمتلئ به كينونتُه ويُثري وجودَها، وما يكشف للكائن البشريِّ السر في وجوده، ويبوح له بتفسير الغموض الذي يكتنف مصيره، بالمستوى الذي يجعله قادرًا على التغلُّب على القلق الوجوديِّ الذي يجتاح حياةَ كل إنسان، بوصف هذا الكائن يتعطش للامتلاء بالوجود، كي يتخلَّصَ من الهشاشة، ويجعلَ حياتَه ممكنةً في عالَمٍ غارِق بالآلام، ويتسلَّح بطاقة وجوديَّة تجعلُه قادرًا على العيش بأقلِّ ما يمكنُ من المرارات والمواجع، ليخرج من القلق إلى السكينة، ومن اللامعنى إلى المعنى، ومن الظلام إلى النور”.

هل يستطيع السيد الرفاعي أن يدلني فضلا عن أن يدل غيري، على حقيقة هذا الطرح، أين موجود، أو أن يضرب لنا مثلا واحدا في الأمر، بدل هذا السفسطة التي لا تسمن ولا تغني عن جوع.

القارئ أمانة في عنق كل فيلسوف ومفكر وكاتب، وأظن أن هؤلاء، جميعهم، يحملون أمانة كما أن الانبياء والمصلحون كانت لهم رسائل، اين نحن من بوذا، ومن الكاتب تولستوي؟، ومن غيرهما الكثير. في الطرح والتوجه، والموضوعية، والدروس التي قدمها العظماء للبشرية. اليس ما طرحه وقدمه العلماء من خدمات انسانية وعلمية، هي التي اعادت ثقة للإنسان بنفسه وبربه وخالقه، هي افضل ما يقدمه انسان للبشرية، من الذين يطرحون من سفسطة يقنعون به البسطاء من الناس فحسب.

يقول السيد الرفاعي في الفصل الرابع، من الكتاب نفسه: التجرِبة الدينية والظمأ الأُنطولوجي:

“كلُّ الأديان تتشابه عباداتها وطقوسها وشعائرها مع عقائدها. محاولات الترقيع والالتقاط في العبادات والطقوس والشعائر تمحو صورة الدين، وتمحق الإيمان المتولد عنه. أما القول: «إن لكل شخص طقسَه الخاص» فهذه واحدة من الخدع؛ ذلك أن تاريخ الأديان ينبئنا بأن ميزة الطقوس الثابتة إنما هي في اشتراكها بين أتباع الدين الواحد، ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا طقوسهم كيفما يشاءون”.

لماذا يقول: هذه واحدة من الخدع؛ اليس نرى أن القضايا الدينية هي طقوس روحية لترويض النفس، فهي بحسب رأي السيد الرفاعي اذا كانت مجتمعه لتكون صحيحة، لأن الاقدمون ساروا عليها، فهي صحيحة بتعبيره!، فبوذا من اين اشتق تعاليمه، وغيره من المصلحين الانسانيين.

لكن للأمانة، في كتابه الأخيرة، “الدين والنزعة الانسانية” الطبعة الرابعة، قلل الوطأة قليلا.

في الفصل السادس تحت عنوان: “التديُّنُ السلفي يُفقِرُ الحياة الرُّوحية والأخلاقية والعقلية”

ينتقد السيد الرفاعي “حفه الله” جماعة بعينهم من فقهاء الاسلام، بوضوح وتركيز، دون جماعة من الطرف الآخر. وهذا المنطق لا أدري ماذا أسميه؟ّ!، ويفترض بالناقد أن ينقد كلما يراه هو نفسه، قابل للنقد والمناقشة والرد، لا أن ينقد جهة ويترك أخرى. وكان الأولى به، أما أن ينقد الجميع أو يترك الجميع. فأرى هذه أكبر مثلبة، أرجو من السيد الرفاعي أن يتحملني قليلا.

واحتمال لي عودة لإكمال ما بدأت به…