عظماءٌ خلف الستار

​بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن

​في هذا الوجود الممتدة نعتاد دائمًا أن نرفع أبصارنا نحو القمم الشاهقة والمباني الباذخة والأضواء التي تخطف الأبصار، لكننا نادرًا ما ننتبه لتلك (الأقمار) التي تمشي بيننا على الأرض، بشرٌ اتخذوا من التقوى منهجًا ومن شرع الله بوصلةً لا تحيد هؤلاء هم العظماء الحقيقيون الذين اختاروا أن يكونوا غرباء في زمنٍ ضجّت فيه قيم المادية ورأوا في (الحلال والحرام) حدودًا مقدسة لا تقبل المساومة بينما ينظر إليهم السواد الأعظم من الناس بعين الاستصغار أو ربما بشفقةٍ مغلفة بالجهل وكأن التمسك بالقيم بات عبئًا أو تأخرًا عن ركب الحداثة الزائف.
​إن المتأمل في أحوال هؤلاء يجد أنهم يعيشون صراعًا صامتًا مع واقعٍ يقدس ((الأنا)) ويستبيح الغايات تحت مبرر الوسائل فالإنسان الذي يراقب الله في أدق تفاصيل حياته فيمنع نفسه عن شبهة مال أو يصدّ بصره عن حرام، أو يلتزم بكلمة الحق في موطن الخوف غالبًا ما يُصنف في المجتمعات الاستهلاكية على أنه شخصٌ (محدود الطموح) أو (بسيط لا يفقه لغة العصر) هذا الاستصغار ليس نابعًا من ضعفٍ في ذات المؤمن، بل من خللٍ في المعايير التي يقيس بها المجتمع معنى (العظمة) ففي حين يبحث الناس عن الظهور تحت الأضواء، ينسحب هذا العظيم خلف ستار التواضع والخوف من الخالق، مدركًا أن القيمة الحقيقية لا تُستمد من ثناء البشر بل من الرضا الإلهي الذي يسكن قلبه طمأنينةً لا يعرفها المهرولون خلف بريق الزيف.
​هؤلاء (الأقمار) لا يبيعون مبادئهم في سوق المزايدات، وحينما يحللون الحلال ويحرمون الحرام فإنهم يفعلون ذلك انطلاقًا من يقينٍ راسخ بأن هذا الكون له خالقٌ نظم حركته، وأن مخالفة هذا النظم هي التي تؤدي للشتات النفسي والاجتماعي.
ورغم ذلك نجد المجتمع يميل أحيانًا لتهميشهم لأن وجودهم النقي يمثل (وخزًا للضمير) الجماعي، فاستقامتهم تذكر الآخرين باعوجاجهم، وثباتهم يفضح تذبذب الكثيرين لذا، يكون (الاستصغار) وسيلة دفاعية نفسية يمارسها المجتمع ليبرر لنفسه الابتعاد عن تلك الصرامة الأخلاقية والالتزام الشرعي.
​إن المأساة الحقيقية ليست في تجاهل الناس لهؤلاء العظماء بل في غفلة المجتمع عن القيمة التي يمثلونها كصمامات أمان أخلاقية.
فالعالم الذي يستهزئ بمن (يخاف الله) هو عالمٌ يفتح الأبواب لضياع الأمانة وانتشار الظلم هؤلاء المنزوون خلف ستار التقوى هم الذين تشرق الأرض بنور وجوههم وإن لم تلمع أسماؤهم في الصحف أو منصات التواصل. إنهم يدركون تمامًا أن (الغربة) التي يعيشونها هي وسام شرف، وأن صغرهم في أعين الناس هو عين العظمة في ميزان السماء، حيث تُوزن القلوب لا الرواتب والأموال وتُقاس الأرواح بمدى طهرها لا بمدى شهرتها.
​وفي نهاية المطاف سيبقى هؤلاء العظماء هم الثابتون في زمن المتغيرات يضيئون عتمة الحياة بتمسكهم بما يرضي الله، صابرين على نظرات الازدراء وموقنين بأن الستار الذي يختبئون خلفه اليوم سيكشف في الغد عن مقامٍ كريم، حيث لا ينفع حينها إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، محترمٍ لدينه، ومنحنٍ لعظمة خالقه وحده.