إيران: بين الاشتباك التفاوضي والمراوغة الزمنية—هندسة للوقت أم عجزٌ بنيوي؟

إيران: بين الاشتباك التفاوضي والمراوغة الزمنية—هندسة للوقت أم عجزٌ بنيوي؟

بقلم: د. حسام البدري
تشهد الدبلوماسية الإيرانية، بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، حراكاً مكثفاً يمكن قراءته بوصفه محاولة مركّبة لكسر العزلة الدولية وإعادة التموضع قبيل أي جولة تفاوضية محتملة، أكثر من كونه سعياً فعلياً لبناء تحالفات داعمة بالمعنى التقليدي. فالجولات المكوكية، خصوصاً نحو موسكو وعواصم أخرى، تحمل دلالة رمزية وسياسية مفادها أن إيران ما تزال فاعلاً قادراً على الحركة، وتسعى إلى إعادة إنتاج شرعيتها التفاوضية عبر الحضور لا عبر الإنجاز. وفي هذا السياق، يندرج خطاب التبرير المتعلق بتأخر الانخراط في المفاوضات، والذي يُحال إلى “انقسام داخلي” داخل بنية القرار، كأداة لإدارة التوقعات وكسب الوقت، وهو ما ينسجم مع نمط تفاوضي مألوف في السلوك الإيراني.

غير أن هذا الحراك، رغم كثافته، يصطدم بمعطى بنيوي حاسم: محدودية الأوراق التفاوضية في ظل بيئة ضغط اقتصادي صارم. فالعقوبات، بوصفها أداة إكراه اقتصادي (Economic Coercion)، لا تزال تُقيّد هامش المناورة، وتدفع طهران إلى تبني استراتيجيات التفافية مثل نقل مركز الثقل نحو ملفات بديلة كأمن الطاقة ومضيق هرمز. إلا أن هذا التحويل، في ميزان التحليل، يندرج ضمن ما يُعرف بـ“إعادة تأطير الأزمة” (Crisis Reframing)، وهو تكتيك لا يغير جوهر الإشكالية بقدر ما يؤجل مواجهتها.

في المقابل، لا تبدو واشنطن مستعدة للانخراط في هذا الانزياح. فالعقيدة التفاوضية الأميركية، خاصة في هذا الملف، تقوم على مبدأ “تثبيت جدول الأعمال” (Agenda Fixation)، حيث يُحصر التفاوض في جوهره: البرنامج النووي، ومستوى التخصيب، وآليات الرقابة. وبالتالي، فإن أي محاولة لتوسيع أو تشتيت نطاق التفاوض تُقابل بإعادة ضبط صارمة تعيد الملف إلى مربعه الأساسي. من هنا، فإن الرهان على استثمار ورقة هرمز بوصفها رافعة تفاوضية يصطدم بسقف أميركي واضح لا يسمح بتسييل القضايا الجوهرية.

أما روسيا، فتتحرك ضمن براغماتية باردة، أقرب إلى “التوازن المرن” (Flexible Balancing)، حيث تحافظ على قنواتها مع طهران دون أن تنخرط في تبنٍ كامل لمواقفها. فموسكو تدرك أن توظيف الورقة الإيرانية يجب أن يبقى ضمن حدود لا تُخلّ بعلاقاتها الأوسع مع الغرب، ما يجعل دعمها مشروطاً ومحكوماً بحسابات تتجاوز السياق الإيراني ذاته.

ضمن هذا المشهد، يبرز السلوك الإيراني بوصفه نموذجاً لما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ“الجمود الاستراتيجي” (Strategic Rigidity)، حيث يتحول كسب الوقت من أداة تكتيكية إلى نمط بنيوي دائم. هذا النمط يعكس، أولاً، ضعفاً في “التعلّم المؤسسي” (Institutional Learning Failure)، حيث لا تُترجم التجارب السابقة إلى مراجعات سلوكية؛ وثانياً، انغلاقاً في “بنية اتخاذ القرار” (Decision-Making Insularity)، ما يحدّ من تنوع الخيارات؛ وثالثاً، إشكالية في “إدارة الشرعية الداخلية” (Internal Legitimacy Management)، حيث تُستخدم المماطلة الخارجية كامتداد لتأجيل الاستحقاقات الداخلية.

في المحصلة، يتبدى أن ما يُقدَّم كذكاء سياسي تفاوضي من قبل ايران ليس سوى تعبير عن “فقر في الأدوات الاستراتيجية” (Strategic Poverty)، حيث يُستنزف تكتيك واحد إلى حد الإفراط. والنتيجة ليست فقط تآكل المصداقية، بل أيضاً دفع الخصوم إلى الانتقال من منطق التفاوض إلى منطق الردع وفرض الوقائع. وهنا تحديداً تكمن المفارقة: فالسعي إلى كسب الوقت يتحول، في لحظة معينة، إلى تسريع لانكشاف القيود البنيوية بدل إخفائها.

الخلاصة
في ضوء هذا التشابك بين كسر العزلة، وإعادة تأطير الأزمة، والجمود الاستراتيجي في بنية القرار الإيراني، يبرز سؤال محوري يتجاوز اللحظة الراهنة: هل الزمن في الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية موردٌ مُدار، أم عَرَضٌ لبنيةٍ عاجزة عن توليد البدائل؟