خالد الغريباوي
في كل دورة انتخابية، ينهض العراقيون من تعب السنين، ويشدّون خطاهم نحو مراكز الاقتراع، حاملين ما تبقى لهم من أملٍ بدولةٍ تستجيب، ونظامٍ يُنصف، وصوتٍ لا يُسرق في دهاليز السياسة. تُصرف الملايين على الحملات، وعلى المفوضيات، وعلى الإجراءات اللوجستية، وتُعلّق البلاد أنفاسها بانتظار النتائج، ثم ما إن تُعلن الأرقام حتى يبدأ سؤال الحُرقة: ما جدوى كل ذلك، إذا كان القرار النهائي لا يُولد من رحم الصندوق، بل من موائد التفاهمات المغلقة؟
إن الديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد أوراق تُرمى في صناديق زجاجية، ولا أرقام تُبث على الشاشات، بل هي احترام إرادة الناخب، وصيانة معنى التفويض الشعبي، فإذا كان المواطن ينتخب الفائز الأول، ثم يرى أن الفائز الحقيقي يُصنع لاحقًا في غرف التفاوض، فإن الأزمة لا تكون أزمة نتائج، بل أزمة معنى.
العراق، نظريًا، يسير وفق الديمقراطية النيابية غير المباشرة؛ أي أن الشعب ينتخب ممثليه، ثم يتولى هؤلاء تشكيل الحكومة وفق الاستحقاقات الدستورية، وهذا النموذج معمول به في دول كثيرة، لكن الفرق بين الديمقراطية الحقيقية وصورتها المشوهة، أن الأولى تجعل البرلمان مرآةً لإرادة الناس، بينما الثانية تجعله مجرد ممرٍ شكليٍّ نحو سلطة مقررة سلفًا.
وقد أشار الدستور العراقي، في المادة 76 إلى تكليف الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل الحكومة. وهذه المادة، مهما اختلفت تأويلاتها، وُجدت لتمنح الانتخابات أثرًا مباشرًا في صناعة السلطة، لا لتكون نصًا قابلاً للتجاوز كلما تعارض مع موازين القوى خارج البرلمان.
إن ما يبعث الأسى اليوم ليس وجود التفاهمات السياسية بحد ذاتها، فكل الأنظمة البرلمانية تعرف المساومات والتحالفات، بل أن يتحول القرار من شأنٍ مؤسساتي إلى شأنٍ تديره نخب غير منتخبة مباشرة، فتغدو نتائج الاقتراع مجرد مادة أولية يعاد تشكيلها بما يناسب الأقوياء، هنا يشعر المواطن أن صوته لم يعد سيّدًا، بل شاهدًا صامتًا.
وللتاريخ أمثلة شبيهة بهذا النمط، ففي إسبرطة القديمة لم تكن السلطة بيد عامة الناس، بل كانت بيد مجلس الشيوخ المعروف بـ (الجيروسيا ) وهو مجلس من النخبة المتقدمة بالعمر والمقام، يوجّه القرار ويضبط الدولة، وفي الجمهورية الرومانية، كان مجلس الشيوخ أيضًا صاحب النفوذ الأوسع، فيما بقيت المؤسسات الشعبية محدودة الأثر أمام هيبة الأرستقراطية السياسية، وفي أوروبا القرون الوسطى، كثيرًا ما كانت المجالس النبيلة والإقطاعية تقرر مصير الشعوب باسمها، لا بإرادتها.
هذه النماذج تُعرف في الفكر السياسي بأشكال الأوليغارشية؛ أي حكم القلة، حيث تحتكر مجموعة محدودة القرار والثروة والنفوذ، ولو أبقت على بعض المظاهر الشعبية.
فإذا كان الواقع العراقي يتجه، عمليًا، نحو أن تتولى قلةٌ نافذة تقرير شكل الحكومة، وتحديد الرئاسات، وتوزيع المواقع، فما الذي يبقى من الانتخابات سوى كلفتها المالية؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يصطف تحت الشمس، إذا كان صوته سيُعاد تفسيره بعد إعلان النتائج؟
إن المواطن العراقي لا يطلب معجزة ،هو لا يريد أكثر من أن يكون لصوته أثر، ولخياره احترام، وللدستور سيادة ،يريد أن يشعر أن يوم الانتخابات ليس احتفالًا شكليًا، بل لحظة حقيقية تنتقل فيها الإرادة من الناس إلى الدولة.
أما إذا كان القرار سيظل محتجزًا لدى مجالس النفوذ، فإن الصراحة تصبح فضيلة: ليُعلن انتهاء زمن التمثيل، وليُقال للناس إن الحكم للقلة، لا للأكثرية، وإن الصندوق زينة سياسية لا أكثر.
لكن العراق أكبر من أن يُحكم بهذه الطريقة، وأعرق من أن تُختزل إرادته في دائرة ضيقة. هذا الشعب الذي صبر، وضحّى، وشارك رغم الخيبات، يستحق دولة تُحترم فيها أصواته، لا نظامًا يُستدعى فيه الشعب يوم الاقتراع، ثم يُستبعد يوم القرار.