د. فاضل حسن شريف
ذكرت مشتقات القدرة (قادر، قدير، مقتدر) في القرآن الكريم في مواضع عديدة لتأكيد طلاقة القدرة الإلهية، وفيما يلي أبرز الآيات التي تضمنت هذه المشتقات: 1. قَادِر (اسم فاعل – يدل على المتمكن ذو القدرة): سورة يس (آية 81): “أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ” بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ” (يس 81). سورة الأنعام (آية 37): “قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلَ آيَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” (الأنعام 37). سورة القيامة (آية 4): “بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ” (القيامة 4). 2. قَدِير (صيغة مبالغة – تدل على كمال القدرة): سورة الروم (آية 54): “وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ” (الروم 54). سورة البقرة (آية 106): “أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (البقرة 106). سورة آل عمران (آية 26): “إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (آل عمران 26). 3. آية تجمع بين مشتقات القدرة (قدَرنا – قادرون): سورة المرسلات (آية 23): “فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ” (المرسلات 26). الفرق اللغوي بينهما في القرآن: القادر: هو ذو القدرة والمتمكن من الفعل بلا عجز. القدير: صيغة مبالغة أبلغ من القادر، تعني تامة القدرة التي لا يعجزها شيء. المقتدر: صيغة مبالغة أعلى، تعني التام القدرة المطلقة، كما في قوله تعالى: “كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا” (الكهف 45).
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الأحقاف 33﴾ الآية وما بعدها إلى آخر السورة متصلة بما تقدم من قوله تعالى: “ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم” (الأحقاف 20) إلخ، وفيها تتميم القول فيما به الإنذار في هذه السورة وهو المعاد والرجوع إلى الله تعالى كما أشرنا إليه في البيان المتقدم. والمراد بالرؤية العلم عن بصيرة، والعي العجز والتعب، والأول أفصح على ما قيل، والباء في “بقادر” ﴿الأحقاف 33﴾ زائدة لوقوعها موقعا فيه شائبة حيز النفي كأنه قيل: أ ليس الله بقادر. والمعنى: أ ولم يعلموا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعجز عن خلقهن أولم يتعب بخلقهن قادر على إحياء الموتى وهو تعالى مبدىء وجود كل شيء وحياته بلى هو قادر لأنه على كل شيء قدير، وقد أوضحنا هذه الحجة فيما تقدم غير مرة.
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الأحقاف 33﴾ هذا الكون العجيب الذي دل على قدرة الخالق وعظمته يدل أيضا وبطريق أولى على انه تعالى قادر على إحياء الموتى، لأن السبب الموجب للأمرين واحد، وهو قدرة من إذا قال للشيء كن فيكون، قال الإمام علي عليه السلام: عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى. وتقدم هذا المعنى في عشرات الآيات ويأتي الكثير، من ذلك قوله تعالى: “أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ” (ق 15). فكيف نعيا بالخلق الثاني؟.
جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله تعالى “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الأحقاف 33﴾ أَوَلَمْ “الْهَمْزَةُ” حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمْ): حَرْفُ نَفْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. يَرَوْا فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ”وَاوُ الْجَمَاعَةِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ. أَنَّ حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ. اللَّهَ اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (أَنَّ): مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. الَّذِي اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ. خَلَقَ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هُوَ”، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. السَّمَاوَاتِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ. وَالْأَرْضَ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَرْضَ): مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. وَلَمْ “الْوَاوُ” حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَمْ): حَرْفُ نَفْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. يَعْيَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ الْعِلَّةِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هُوَ”. بِخَلْقِهِنَّ “الْبَاءُ” حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(خَلْقِ): اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. بِقَادِرٍ “الْبَاءُ” حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(قَادِرٌ): خَبَرُ (أَنَّ): مَجْرُورٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنَّ): وَمَا بَعْدَهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (يَرَوْا):. عَلَى حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. أَنْ حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. يُحْيِيَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ “هُوَ”، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ): وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِعَلَى. الْمَوْتَى مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ. بَلَى حَرْفُ جَوَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. إِنَّهُ (إِنَّ): حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ):. عَلَى حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. كُلِّ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(قَدِيرٌ):. شَيْءٍ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. قَدِيرٌ خَبَرُ (إِنَّ): مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” ﴿الأحقاف 33﴾ واصل هذه الآيات وهي آخر آيات سورة الأحقاف البحث حول المعاد، حيث جاءت الإشارة إلى مسألة المعاد في الآيات السابقة حكاية عن لسان مبلغي الجن. هذا من جهة. ومن جهة أُخرى فإنّ سورة الأحقاف تتحدث في فصولها الأولى عن مسألة التوحيد، وعظمة القرآن المجيد، وإثبات نبوة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، وتبحث في آخر فصل من هذه السورة مسألة المعاد لتكمل بذلك البحث في الأصول الاعتقادية الثلاثة. فإنّ خلق السماوات والأرض مع موجوداتها المختلفة المتنوعة علامة قدرته تعالى على كلّ شيء، لأنّ كل ما يقع في دائرة مخلوق لله في هذا العالم، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يكون عاجزاً عن إعادة حياة البشر؟ وهذا بحدِّ ذاته دليل قاطع مفحم على مسألة إمكان المعاد. وأساساً فإنّ أفضل دليل على إمكان أي شيء وقوعه، فكيف ندع إلى أنفسنا سبيلاً للشك في قدرة الله المطلقة على مسألة المعاد ونحن نرى نشأة الموجودات الحية وتولدها من موجودات ميتة، وعلى هذا النطاق الواسع؟ هذا أحد أدلة المعاد العديدة التي يؤكد عليها القرآن ويستند إليها في آيات مختلفة، ومن جملتها الآية (81) من سورة يس “أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ” (يس 81).