من الحلم إلى الانكسار، أشجان مُدارة مع الراحل الدكتور أحمد الجلبي

كامل الدلفي

كنتُ أُصدّق ما تقوله لي، وكان يشحذ الخيال المُجنّح في رأسي بأن الطريق مُفضٍ إلى ما نريد.

ليتك تريّثت قليلًا، وراجعت طويّة نفوس الذين ازدحموا حولك، وما علّة ازدحامهم. لا شك أنك كنت مدبّرًا كبيرًا للحدث الفارق، وبدل أن يصفقوا بكفيك ويبايعوك، فتكون أميرًا على الأمر لأنك الأولى والأجدر، إذ يعلمون، ويعلم الجمع، أنك الأمهَر في تدبير الوصل بالحياة، فأبوا إلا أن يتخذوك سُلّمًا إلى ما يبتغون، وممرًّا للوصول إلى مآربهم، وهدمِوا الحياة بمعاول الجشع والجهل، وأقاموا الوصلِ بالمقابر. جهلوا أنك فكرةً قبل أن تكون شخصًا، وكنت وعدًا قبل أن تصبح واقعة. وحين تتعثّر الأفكار في أرضٍ مثقلة بالتاريخ والجراح، لا تسقط وحدها، بل تُسقِط معها من آمن بها. هكذا هي المأساة كما يروي التاريخ ، أيها القلب والعقل النادران، تبخّر الحلم، وتوارى الدرس في عرصات الفساد، وانقلب المضمون إلى ضدّه. ولو أننا نعلم علم اليقين لم يكن الخطأ في الحلم، بل في الحشد الذي التفّ حوله؛ فالدرس الذي حلمنا أن يكون واقعًا: (نقل الثروة من الحكومة إلى الشعب)، لم يعد ممكنًا، ولا جائزًا، ولا محتملًا ليس في جوهره، بل فيما اقترفوه من انحرافات شوهاء. فالثروة أسيرة وراء الحدود، وما يترشّح منها نحونا صار إلى جيوب اللاعبين على الكراسي. أما الشعب، فلم يعد ذلك الشعب نفسه؛ بل تشظى إلى قبائل وجماعات وكتل دهماء تدور حول جوعها وغرائزها وعصبيّاتها، تسحق أي حلم أو نور يبرز في طريقها. أما الهؤلاء الذين انتزعوا العُليا من بين يديك، شاخوا على أخطائهم الجسيمة، وعجزوا أن يُداولوها بينهم كما كانوا، فمضت إلى صبيانهم، وما هم بأهلٍ لها كسابقيهم.

فما عساني أن أقول فيك: أأنت رجلٌ مرّ خطأً في تاريخنا عند لحظة فارقة، أم أن تاريخنا نفسه خطأٌ مركّب لا يُدرك ذاتًا مثلك؟