مزاد اللحم العراقي

مزاد اللحم العراقي
كتب رياض الفرطوسي
تضج منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً بإعلانات صادمة تتجاوز بيع المقتنيات لتصل إلى عرض “الخصيتين” والكلى للبيع بمبالغ خيالية. هذا المشهد السريالي الذي تتداوله المصادر الطبية والأمنية، ليس مجرد “جريمة منظمة” تلاحقها السلطات، بل هو “عرض أعراض” لمرض أعمق يضرب جذور البنية الاجتماعية. إن لجوء الإنسان لبيع أجزاء من جسده هو بلوغ لمرحلة “الشيئية” (Reification) التي تحدث عنها الفيلسوف المجري “جورج لوكاش”، حيث يتحول الكائن البشري من غاية في حد ذاته إلى مجرد بضعة دولارات مركونة على رصيف الفقر.
المفارقة هنا تكمن في الجهد الأمني المبذول لملاحقة تجار الأعضاء، بينما يغيب الالتفات إلى “الخصاء العقلي” الذي يمارس في الفضاء العام. في علم النفس الاجتماعي، الخصاء العقلي هو تعطيل “الفاعلية الإنسانية” وإصابة الفكر بالعقم، ليصبح الفرد عاجزاً عن التخيل أو المبادرة، محصوراً في ثنائيات حدية (أبيض أو أسود، خوف أو تبعية). الدولة التي تطارد مخصييها عضوياً، هي ذاتها التي تساهم أحياناً في إنتاج بيئة من “الجمود الفكري”، حيث يُسلب المواطن القدرة على التفكير في المستقبل، فيقرر التخلص من “أداة التناسل” لأنه لم يعد يؤمن بجدوى السلالة في وطن يلتهمه القلق.
إن هذا العوز الذي يدفع رجلاً لتقييم جسده بسبعة وثمانين ألف دولار، يعكس انهيار “العقد النفسي” بين الفرد ومجتمعه. يرى “إريك فروم” في كتابه الخوف من الحرية، أن الضغوط الاقتصادية والسياسية الهائلة قد تدفع الإنسان لتدمير ذاته تعبيراً عن العجز المطلق. وحين تصبح المؤسسات السياسية والثقافية “عقيمة” لا تنتج حلاً ولا أملاً، فإنها تعمم حالة “العقم الوجودي” على الجميع. فالمثقف الذي يداهن، والسياسي الذي يرتهن، والخطيب الذي يغيب الوعي، هم في الحقيقة يمارسون “خصاءً” جماعياً للضمير الوطني، يجعل من بيع اللحم البشري نتيجة منطقية لا مفاجأة فيها.
إن ظاهرة بيع الأعضاء الطوعية في أربيل وغيرها هي “احتجاج بيولوجي” يائس. إنه إعلان عن فقدان الثقة في الغد، فالمواطن الذي يفتش في إرث أجداده ولا يجد ما يسد رمقه، يفطن إلى أن جسده هو رأسماله الأخير. وفي المقابل، فإن أولئك الذين يشترون هذه الأعضاء لزرعها، إنما يزرعون في أجسادهم خيبات وطن كامل، وتاريخاً مثقلاً بالانكسارات، متوهمين أن “العضو المهرب” سيمنحهم حياةً جديدة، بينما هو يحمل في أنسجته جينات الانطفاء.
نحن أمام مشهد من “العدمية الاجتماعية”؛ حيث تتبادل السلطة والمجتمع أدوار العجز. فبدلاً من ملاحقة النتائج، يجدر بنا تشريح الأسباب التي جعلت “الخصوبة” عبئاً، والجوع محركاً للتخلي عن الهوية البيولوجية. إن إصلاح “الخصاء العقلي” العام هو السبيل الوحيد لإيقاف مزادات اللحم في “الباب الشرقي” ومواقع التواصل، فالمجتمع الذي يستعيد عقله وكرامته، لن يضطر أبداً لبيع أجزائه ليعيش.