اطرش الكلاب… حين يُفسَّر اللهاث على أنه نباح

حسن درباش العامري

بقلم /اختصاص سياسه خارج الدائره الماسيه

في الأمثال الشعبية العراقية تختبئ حكمة عميقة، لا تحتاج إلى تنظير ولا إلى شاشات فضائية كي تُثبت صحتها. ومن تلك الأمثال التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها جارحة في دلالتها، قولهم:

“اطرش الكلاب”.

يُحكى أن الكلب الأطرش، حين يرى بقية الكلاب تلهث تحت شمس ظهيرة صيفية قائظة، يظن أنها تنبح، فيندفع بدوره إلى النباح… لا لأنه سمع شيئًا، بل لأنه أساء فهم ما رأى.

وهنا لا تكمن المشكلة في النباح، بل في تفسير ((المشهد. والامثلة تظرب ولاتقاس))

هذا المثل، على بساطته، يصلح أن يكون مدخلًا لفهم حالة واسعة من “التحليل السياسي” في واقعنا اليوم.

حين يصبح التحليل صدى… لا قراءة

في زمن امتلأت فيه الشاشات بالوجوه، وكثرت فيه المنصات، لم يعد التحليل السياسي حكرًا على من يمتلك أدواته، بل أصبح في كثير من الأحيان مجرد صدى لمواقف مسبقة، أو انعكاسًا لانتماءات حزبية.

كثير ممن يُقدَّمون بوصفهم “محللين سياسيين”، لا يقرؤون الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يكون وفق مصلحة الجهة التي ينتمون إليها.

فهم لا يحللون بقدر ما:

يروّجون

يبرّرون

يوجّهون

أو يدافعون

وهنا يتحول “التحليل” من أداة فهم… إلى أداة تكييف.

المحلل الذي بلا حزب… لمن يتكلم؟ مادام صوته لايوفر اجرة السياره التي توصله لمكان القول ،ولاتوفر ثمن الحذاء والبظله وربطة العنق .. اما اذا توفرت سفرات وامتيازات فلمن بالعراقي ؟؟

لكن الإشكالية الأعمق لا تكمن في المنتمي، بل في المستقل.

ذلك الذي لا حزب له…

ولا جهة تحميه…

ولا منصة تتبناه…

هذا المحلل يقف في منطقة رمادية:

لا جمهور مضمون

لا مردود يُذكر

لا غطاء سياسي

ولا حتى حصانة اجتماعية

فإن تكلّم بجرأة… عرّض نفسه للتهديد.والخطر

وإن صمت… ذاب في الضجيج.وضعف وتراجع

هنا يطرح السؤال نفسه بمرارة:

لمن يتكلم من لا يملك حزبًا؟

وهل الترويج للنفس يغني عن غياب المشروع؟

جمهور لا يُصفّق… بل ينتظر

في المقابل، لا يمكن فهم المشهد دون التوقف عند الجمهور.

فالناس، في كثير من الأحيان، لا تصفق للمسؤول حبًا به، بل طمعًا بما قد يمنحه.

التصفيق هنا ليس موقفًا… بل استثمار.

وهذا يفسر لماذا:

يحظى السياسي بحضور حتى لو كان ضعيفًا

بينما يُهمل المحلل، مهما كان صادقًا

لأن الأول “مُحتمل المنفعة”…

والثاني “مضمون الصراحة”.

اقتصاد الكلمة… حين تصبح “يسلم قلمك” عملة

أما الكتّاب، فقصتهم لا تقل مرارة.

بعضهم ينتمي إلى نقابات ومراكز دراسات شكلية، ويحصل على امتيازات، أو على الأقل اعتراف رسمي بجهده.وهذا تجدة متعالي انفه فوق جبهته لانه يحفظ كلمات تقال كما يقول عادل امام في مسرحية الزعيم حديث يقال كطقم بحاله ،وان تحدثت عن انتماء لنقابه او مركز او تجمع كانك تجاوزت عن برستيج عالي.

لكن كثيرين غيرهم يكتبون خارج هذه الدوائر، فلا ينالون من كتاباتهم سوى عبارات الإطراء:

“عاشت إيدك”

“يسلم قلمك”

وهي عبارات، رغم صدقها، لا يمكن تصريفها في:

محطات الوقود

أو محلات الملابس

ولاتدخلك مطعم فلافل

أو حتى في أبسط متطلبات الحياة

لقد أصبحت الكلمة الحرة تُكافأ معنويًا… وتُعاقب واقعيًا.

بين الضجيج والحقيقة

في نهاية المطاف، لا يمكن القول إن كل من يتحدث في السياسة “محلل”،

ولا أن كل من يصرخ “يفهم”.

بعض الأصوات…

ليست إلا إعادة إنتاج لصوت لم يُسمع أصلًا،

تمامًا كـ”اطرش الكلاب”

الذي ينبح… لأنه لم يفهم أن الآخرين كانوا يلهثون.

الخلاصة

المشكلة ليست في كثرة الأصوات…

بل في غياب الفهم.

وليست في من ينتمي…

بل في من يظن أنه يرى، وهو في الحقيقة يفسّر المشهد بعين غيره.

وفي زمن تختلط فيه النوايا بالمصالح،

يبقى الصوت الحر…بعيدا عن القيود

وإن كان ضعيفًا…

أصدق من ألف نباحٍ بلا سمع.