اليمن وحروب الاستنزاف الصامتة
أحلام الصوفي
اليمن اليوم لا يواجه حربًا عادية، بل يواجه حربًا شاملة تستهدف الإنسان والأرض والوعي والمستقبل.
حرب لم تعد تقتصر على الطائرات والصواريخ والجبهات، بل امتدت إلى لقمة العيش، وإلى نفسية الناس، وإلى أخلاق المجتمع وثقافته وهويته.
إنها حرب يريدون من خلالها إنهاك اليمني وكسر إرادته وإيصاله إلى مرحلة يفقد فيها الأمل، لكنهم لم يدركوا بعد أن هذا الشعب خُلق من رحم المعاناة، وأنه كلما اشتدت عليه الأزمات ازداد صلابة وتمسكًا بأرضه وكرامته.
فعلى مدى سنوات طويلة، عاش اليمن تحت الحصار والقصف والاستهداف المستمر، ومع ذلك لم يسقط ولم يرفع الراية البيضاء.
بل استطاع أن يبني قدراته ويطور إمكانياته ويثبت أن الإرادة أقوى من الحصار، وأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة لا يمكن أن تُهزم مهما اشتدت الظروف.
لكن بعدما فشل الأعداء في كسر اليمن عسكريًا، انتقلوا إلى حروب أخرى أكثر خبثًا وأشد خطرًا. فبدأت الحرب الاقتصادية التي أرهقت المواطن في معيشته، من انهيار العملة وارتفاع الأسعار وقطع الرواتب وتعطيل مصادر الدخل. أرادوا أن يجوعوا الناس حتى ينشغلوا بالبقاء فقط، لكن اليمنيين رغم الجوع والتعب ما زالوا صامدين، يتقاسمون القليل ويواجهون الحياة بكرامة وعزة.
ثم جاءت الحرب الإنسانية التي استهدفت حياة الناس بشكل مباشر، عبر إضعاف الخدمات الصحية والتعليمية ونشر الفقر والأمراض والمخدرات والمواد الضارة التي تهدد المجتمع، خصوصًا فئة الشباب. إنها محاولة لضرب المجتمع من الداخل وإضعافه تدريجيًا، لكن المجتمع اليمني ما زال يتمسك بقيمه وهويته رغم كل محاولات التشويه والاستهداف.
أما الحرب الإعلامية والفكرية فهي الأخطر، لأنها تستهدف العقول قبل أي شيء آخر. حرب تقوم على الشائعات والتحريض وبث الكراهية والانقسام وتمزيق النسيج الاجتماعي.
أرادوا أن يزرعوا الفتنة بين أبناء الوطن الواحد وأن يجعلوا اليمنيين يفقدون الثقة ببعضهم وببلدهم، لكن وعي الناس وصمودهم أفشل كثيرًا من هذه المخططات.
كذلك هناك الحرب الأخلاقية والاجتماعية التي تحاول ضرب القيم ونشر الفساد واليأس والإحباط، خاصة بين الشباب، لأن الأعداء يدركون أن انهيار المجتمعات يبدأ من انهيار أخلاقها وتفككها الداخلي. ومع ذلك لا يزال اليمن يحتفظ بروحه الأصيلة، بروح القبيلة والشهامة والتكافل والصبر، وهي القيم التي حافظت على تماسك المجتمع رغم كل العواصف.
ورغم كل هذه الحروب، يبقى اليمن واقفًا. نعم، الجراح كبيرة والتحديات قاسية، لكن هذا الشعب لم يتعود على الانكسار.
اليمني قد يتعب، قد يجوع، قد يتألم، لكنه لا يفرط بأرضه ولا كرامته ولا هويته. وما يحدث اليوم ليس مجرد معركة عابرة، بل معركة وجود وصمود وإرادة.
ولهذا فإن الانتصار الحقيقي لن يكون بالسلاح وحده، بل بالحفاظ على الوعي، وتقوية الجبهة الداخلية، والتمسك بالقيم، ومواجهة كل محاولات التفكيك والإفساد. فاليمن الذي صمد في وجه النار والحصار، قادر بإذن الله أن ينتصر أيضًا في معركة الوعي والبقاء والمستقبل.
#اتحاد – الكاتبات -الثائرات