هيئة النزاهة الاتحادي أما معضلة زواج المتعة السياسي بين المحاصصة والفساد ؟ غلق ملفات شركات علي الزيدي ؟

تحقيق صحفي استقصائي … منظمة عراقيون ضد الفساد

بغداد / المنطقة الخضراء / مكاتب الأمانة العامة لمجلس الوزراء …

ضمن سياق التحليل السياسي-استقصائي للمنظمة ومن خلال بعض السادة المسؤولين الافاضل الذين كانت لهم تعقيبات وآراء حول الاستفسارات التي طرحتها ” المنظمة” عليهم وحول ما يحدث من أحاديث جانبية وخلف ألأبواب المغلقة والذي نريد بدوره أن يعكس الصورة الواضحة للرأي العام حول الديناميكيات الحقيقية للنظام المحاصصي العراقي بكل مراوغاته ودسائسه وتوازناته القاسية. وفقاً لتسريبات سياسية موثوقة حصلت عليها “المنظمة” من داخل أروقة الإطار التنسيقي، تم رسم خارطة طريق واضحة ومحكمة لعلي الزيدي، رئيس الوزراء المكلف، تقضي بأن يكون واجهة تنفيذية شكلية فقط، لا صاحب قرار حقيقي. الهدف الرئيسي من هذه الخارطة هو تمكين قيادات الإطار التنسيقي وقادة الفصائل الولائية العقائدية من تنفيذ سياساتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر أجهزة الدولة، مع الحفاظ على صورة “رجل التوافق” أمام الرأي العام والمجتمع الدولي.وبحسب هذه التسريبات، فإن أي خروج من قبل الزيدي عن هذا الخط المرسوم بدقة، أو أي محاولة لاستقلالية حقيقية في الملفات السيادية كالنفط، المالية، المنافذ الحدودية، أو مكافحة التهريب، والطعن بالفصائل الولائية العقائدية المسلحة العابرة للحدود ستكون له عواقب وخيمة جداً. وفي هذا السياق، يقوم نواب في البرلمان تابعون للفصائل الولائية العقائدية حالياً بعملية منظمة ودؤوبة لتجميع كافة الملفات المالية والإدارية التي تورطت بها الشركات التجارية التابعة لعلي الزيدي، سواء مجموعة “الأويس” أو غيرها من الكيانات التي حصلت على عقود ضخمة في السلة الغذائية وإطعام القوات الأمنية على مدى السنوات الماضية. وليس هذا فحسب، بل تشمل الملفات المجموعة أيضاً قضية شهاداته الدراسية الجامعية، في محاولة واضحة لاستخدامها كورقة ضغط أو ابتزاز سياسي في اللحظة المناسبة.الدعم الأمريكي.. سلاح ذو حدين ؟ صحيح أن علي الزيدي يتمتع بدعم أمريكي واضح ومباشر في هذه المرحلة، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة على الإطار التنسيقي لاختيار شخصية “غير تقليدية” نسبياً بعيداً عن وجوه الميلشييات المباشرة. لكن هذا الدعم، مهما بدا قوياً اليوم، يظل رهينة البرلمان العراقي. ففي حال خروج الملفات المجموعة إلى العلن تحت ستار “الشفافية والنزاهة”، قد ينهار هذا الدعم الدولي أمام أصوات النواب داخل قبة البرلمان، خاصة إذا تم تقديمها كدليل على تعارض مصالح أو شبهات فساد كبيرة.ومن جهة أخرى، هناك آراء داخلية ترى أن الزيدي قد يلجأ إلى استراتيجية معاكسة، فيستغل ورقة الدعم الأمريكي لمصلحته الشخصية. يتمثل ذلك في طلب من الإدارة الأمريكية إدراج أسماء نواب أو قيادات فصائلية ضمن قوائم العقوبات الجديدة لوزارة الخزانة الأمريكية، في حال حاولوا ابتزازه أو عرقلة عمل حكومته بشكل منهجي. هذا السيناريو يعكس حالة توازن رعب متبادل بين الأطراف، حيث يصبح السلاح الأمريكي أداة داخلية في صراع النفوذ العراقي.هيئة النزاهة.. أداة تجميد وليست أداة محاسبة أما بالنسبة لهيئة النزاهة الاتحادية، فإن المصادر تشير إلى سيناريو واضح ومقلق: فور التصويت على الكابينة الوزارية ونيلها ثقة البرلمان، ستُجمد الهيئة جميع الملفات المتعلقة بشركات علي الزيدي وأعماله التجارية السابقة. ولن يقتصر الأمر على ذلك، بل سيتحول عمل الهيئة خلال السنوات الأربع القادمة إلى ملاحقة “صغار الفاسدين” من الموظفين البسطاء، فيما سيبقى “حيتان الفساد” من درجة مدير عام فما فوق في منأى تام عن أي مساءلة حقيقية.هذا النهج ليس جديداً، بل يعكس نمطاً تقليدياً متجذراً في عمل المؤسسات الرقابية العراقية، حيث تتحول إلى أداة سياسية تخدم التوازنات القائمة بدلاً من مكافحة الفساد المنهجي.زواج المتعة السياسي.. كارثة اقتصادية قادمة في الخلفية، يُعقد اليوم “زواج متعة” سياسي خلف الأبواب المغلقة بين حكومة علي الزيدي المرتقبة وقيادات الإطار التنسيقي وقادة الفصائل الولائية، وذلك لمدة أربع سنوات قادمة. هذا الزواج المؤقت، كما يصفه بعض المطلعين، لم يحظَ بمصادقة صريحة من إدارة البيت الأبيض، مما يجعله عرضة للتصدع أمام أي تصعيد أمريكي جديد.والنتائج المتوقعة لهذا “الزواج” تبدو كارثية على الاقتصاد العراقي، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على الاقتصاد الموازي، تهريب النفط، احتكار العقود الحكومية، وتغول النفوذ السياسي على المؤسسات الاقتصادية. في العراق، تُطبق نظرية “زواج المال بالسياسة والسلطة” بحذافيرها، حيث يصبح المال السياسي أداة للسيطرة والامتيازات، والسلطة أداة لحماية المال المشبوه. هيئة النزاهة الاتحادية، كمؤسسة رقابية، تواجه حاليا معضلة هيكلية حقيقية في التعامل مع ملفات فساد تتعلق بشركات علي الزيدي (مجموعة الأويس التجارية والشركة الوطنية القابضة ومصرف الجنوب الإسلامي سابقاً). والواقع السياسي والمؤسسي يجعل التعامل معقداً ومحدود التأثير في الغالب. بل كرجل أعمال يدير إمبراطورية اقتصادية متعددة الأذرع، أبرزها “شركة الأويس” التي تضم نحو 15 شركة تعمل في التجارة والمقاولات والخدمات اللوجستية والزراعة والصناعة وهذه الشركات، وفق ما هو متداول، تدير عقوداً ضخمة مع مؤسسات الدولة، خصوصاً وزارة التجارة لتجهيز مفردات السلة الغذائية لأكثر من 40 مليون عراقي، إضافة إلى عقود مع وزارات الدفاع والداخلية والشؤون الاجتماعية لتوفير الإمدادات الغذائية لما يقارب الـ300 ألف جندي ونحو 220 ألف عنصر من تشكيلات الحشد. كما تمتد استثماراته إلى مشاريع زراعية تصل إلى نحو 11,500 دونم في محافظة المثنى، إلى جانب مشاريع صناعية واستثمارية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار، فضلاً عن امتلاكه مؤسسات إعلامية مثل قناة دجلة، ومؤسسات تعليمية كجامعة أهلية ومعاهد طبية.

ويبقى سيناريوهات كيفية تعامل كيف هيئة النزاهة عملياً مع هذا الكم الهائل من ملفات الفساد المالي والإداري العائدة إلى امبراطورية شركات الزيدي ؟ وهي الواجهة لغسيل الأموال للدولة العميقة ؟

  • تجميد أو تأجيل التحقيقات الجدية: الهيئة تابعة للسلطة التنفيذية (رئيس الوزراء)، وغالباً ما تكون قراراتها خاضعة للتوازنات السياسية. من غير المرجح أن تفتح أو تُفعّل ملفات حساسة ضد رئيس الوزراء المكلف نفسه أو شركاته الرئيسية دون غطاء سياسي قوي أو ضغط خارجي كبير. قد تقوم بـ”حركات شكلية” (استدعاءات، طلب وثائق) لامتصاص الضغط الإعلامي والشعبي.
  • التركيز على “الصغار” أو المنافسين: تاريخياً، تستهدف الهيئة ملفات أقل حساسية سياسياً لإظهار “النشاط”، بينما تُجمد الملفات الكبرى المرتبطة بأصحاب النفوذ.
  • الاعتماد على الشكاوى: إذا تقدم نواب أو مواطنون بشكاوى رسمية (كما حدث سابقاً مع نواب مثل عبد الحمزة الخفاجي أو أمير المعموري)، قد تفتح تحقيقاً شكلياً. لكن النتيجة غالباً ما تكون بطيئة أو منتهية بالتسويات.
  • هيئة النزاهة ستتعامل بحذر شديد وبطء متعمد مع ملفات الزيدي. المؤسسة في العراق ليست مستقلة بما يكفي لمواجهة رئيس وزراء قادم بدعم كتلة كبيرة. النتيجة الأكثر احتمالاً هي التجميد أو التحقيقات الشكلية، ما لم يتدخل ضغط أمريكي مباشر أو أزمة سياسية كبرى. هذا يعكس المشكلة الهيكلية الأعمق: صعوبة مكافحة الفساد عندما يكون الفاسد (أو المتهم) في قمة السلطة التنفيذية. النجاح الحقيقي يتطلب إصلاحاً مؤسسياً جذرياً وليس مجرد تحقيقات فردية.

أمأ بالنسبة إلى العوامل المؤثرة:

  • الضغط الأمريكي: العقوبات الأخيرة والتركيز على التهريب النفطي/المالي قد تدفع الهيئة (أو جهات أخرى) للتحرك إذا ربطت واشنطن بين شركات الزيدي والشبكات الإيرانية. هذا هو العامل الأقوى حالياً.
  • الإطار التنسيقي: الذي كلفه يملك نفوذاً كبيراً، وقد يحمي “رجله”.
  • الرأي العام والإعلام: الضجة الحالية (ملفات الفساد والعقوبات) قد تجبر الهيئة على إصدار بيانات أو تقارير للدفاع عن مصداقيتها.

لان “زواج المتعة السياسي” يلخص لنا طبيعة التحالفات العراقية المؤقتة والمصلحية. الإطار التنسيقي يبحث عن “واجهة مقبولة دولياً” (الزيدي) لامتصاص الضغط الأمريكي، بينما يحتفظ بالسيطرة الحقيقية على الموارد والقرارات.فهم عميق لآلية الابتزاز وتجميع ملفات الفساد (شركات الأويس، العقود، الشهادات الدراسية) كورقة ضغط احتياطية هو أسلوب كلاسيكي في السياسة العراقية. “السلاح المُعلّق” أقوى من السلاح المستخدم والتناقض الأمريكي ومن خلال الإشارة إلى أن الدعم الأمريكي لأنه “سلاح ذو حدين” . واشنطن تريد شخصاً غير ميليشياوي بارز، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على البرلمان أو على سلوك الأحزاب.مستقبل هيئة النزاهة والتوقع الموجود هنا والكل متفق عليه حسب فراءتنا لهذه المعضلة ستكون بتجميد ملفات الزيدي وحيتان الفساد وملاحقة “الصغار” فقط وهو توقع شبه مؤكد بناءً على التاريخ المؤسسي للهيئة.وهي تعكس فهماً عميقاً لطبيعة السياسة العراقية كـ”سوق صفقات” وليست مؤسسات دولة.

وهنا تبقى لنا بعدين أخريين في هذا المشهد التراجيدي المأساوي يحين يتم الإعلان عن حقل مراسيم زواج المتعة السياسي داخل البرلمان :

البعد الأول: ردة فعل اللاعبين الآخرين (الكرد والسنة والتيار الصدري)لن يمر هذا «زواج المتعة» بين الزيدي والإطار التنسيقي دون تداعيات على بقية الأطراف السياسية. فالكتل الكردية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، ستكون أمام خيارين: إما الدخول في صفقة جديدة مقابل مكاسب مالية وإدارية كبيرة في إقليم كردستان (خاصة في ملف النفط والإيرادات غير المنقولة)، أو الانسحاب إلى المعارضة البنّاءة واستغلال أي تصدّع بين الزيدي والإطار لتعزيز موقفها التفاوضي. أما الكتل السنية، فمن المتوقع أن تتبنى موقف «المشاركة المشروطة» مقابل حصص في الوزارات الخدمية والمحافظات السنية، مع محاولة بعض قياداتها استغلال ملفات الفساد كورقة ضغط للحصول على امتيازات إضافية.أما التيار الصدري، فيبقى اللاعب الأكثر خطورة على هذا السيناريو. فإذا شعر مقتدى الصدر أن «زواج المتعة» يؤدي إلى احتكار كامل للإطار على السلطة والموارد، فمن المحتمل أن يعود إلى سياسة «الرفض والشارع»، مستغلاً الغضب الشعبي من استمرار الفساد والمحاصصة لإطلاق موجة احتجاجات جديدة أو سحب أي غطاء شعبي عن الحكومة المقبلة. هذا يعني أن استقرار الكابينة قد يبقى رهيناً بمزاج الصدر وتقديراته السياسية.

البعد الثاني: نقاط الضعف في خارطة الطريق الإطارية التي قد يستغلها الزيدي رغم صلابة الخارطة التي رسمها الإطار للزيدي، إلا أنها تحتوي على ثغرات استراتيجية يمكن أن يستغلها رئيس الوزراء المكلف إذا أبدى ذكاءً سياسياً عالياً. أول هذه الثغرات هو الاعتماد الكبير على الدعم الأمريكي في مواجهة العقوبات والضغوط الاقتصادية؛ فالزيدي يستطيع أن يحول هذا الدعم إلى غطاء يحميه من الابتزاز الداخلي، بل ويهدد به خصومه داخل الإطار نفسه عبر طلب عقوبات ثانوية على أسماء معينة.الثغرة الثانية هي التناقض بين الرغبة في السيطرة والحاجة إلى إنجازات شعبية. الإطار يريد السيطرة، لكنه يدرك أيضاً أن فشل الحكومة الجديدة في تحسين الخدمات والكهرباء والوظائف سينعكس سلباً عليه في الانتخابات المقبلة. هذا يعطي الزيدي هامشاً للمبادرة في ملفات الإصلاح الاقتصادي والطاقة، مستغلاً الضغط الأمريكي والخليجي كذريعة لفرض بعض التعيينات التقنية أو إصلاحات شكلية.أخيراً، هناك ثغرة التباين داخل الإطار نفسه بين التيارات المعتدلة والتيارات الأكثر تشدداً والمرتبطة بالفصائل. الزيدي قد يلعب على هذا التناقض الداخلي ليخلق تحالفات جزئية مع أجنحة معينة داخل الإطار ضد أخرى، مما يسمح له بتوسيع هامش الحركة تدريجياً.

وهذه رسالة للطلاب والأجيال الجديدة لطلاب الجامعات وكليات العلوم السياسية والاقتصاد والمهتمين بالشأن العام، حيث تُقدم لكم وعلى طبق من ذهب ومن دون الحاجة إلى مدرسين وكمعايشة لواقع ميداني حول التطورات الجارية حالياً نموذجاً حياً ومباشراً يمكنهم دراسته على أرض الواقع. إنها معادلة مأساوية تتجلى بأبشع صورها: دولة تُدار بالمحاصصة، حكومات تُشكل كواجهات، مؤسسات رقابية تُحول إلى أدوات تجميد، وشعب يدفع فاتورة التوازنات السياسية الضيقة.هذا التحقيق الاستقصائي يعتمد على تسريبات ومعلومات متداولة داخل الأوساط السياسية، ويرسم صورة واقعية للتحديات الجسيمة التي تنتظر العراق في السنوات الأربع المقبلة. فهل سينجح علي الزيدي في كسر هذه المعادلة، أم سيكون مجرد فصل جديد في مسلسل طويل من الحكومات الهشة التي تُبنى على شفا جرف هار؟الإجابة ستحددها الأسابيع والشهور القادمة، لكن المؤشرات الأولية لا تبشر بالكثير من التفاؤل في ظل استمرار منطق “زواج المتعة السياسي”.