مشتقتان في آية: يذكب (وان يكن كاذبا فعليه كذبه)

د. فاضل حسن شريف

عن موقع توينكل: ملحقات الجناس: بعدما وضع علماء البلاغة العربية تعريفًا خاصًا بالجناس ومفصلاً في أنواعه، أضافوا للجناس ملحقات له ومشابهة له حيث أطلق عليها تسمية (الجناس المطلق) وهو على قسمين: المتلاقيان في الاشتقاق: ويقصد به اتفاق اللفظتين في الاشتقاق ومثال عليه: قال تعالى: “فأقم وجهك للدين القيم” (الروم 43)، فاللفظين “أقم” و”القيم” مشتقين من مادة لغوية واحدة وسميا بالجناس المطلق لتلاقي اللفظين في الاشتقاق وهذا ما يسمى ملحق بالجناس. المتلاقيان فيما يشبه الاشتقاق: ويقصد به الجمع ما بين لفظين بما يشبه الاشتقاق، نذكر له مثالَا قال الله عز وجل: “قال إني لعملكم من القالين” (الشعراء 168)، فنجد أنّ الفعل قال مشتق من مصدره القول وأن كلمة القالين جمع القالي وهي كلمة تطلق على المبغض والهاجر ولكن جمع بينهما على ما يشبه الاشتقاق، وهذا خير مثال على الملحق بالجناس والمتلاقيان فيما يشبه الاشتقاق.

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ” ﴿غافر 28﴾ وقال رجل مؤمن من آل فرعون: قيل: هو ابن عمه، وقال رجل مؤمن بالله من آل فرعون، يكتم إيمانه منكرًا على قومه: كيف تستحلون قَتْلَ رجل لا جرم له عندكم إلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبراهين القاطعة مِن ربكم على صِدْق ما يقول؟ فإن يك موسى كاذبًا فإنَّ وبالَ كذبه عائد عليه وحده، وإن يك صادقًا لحقكم بعض الذي يتوعَّدكم به، إن الله لا يوفق للحق مَن هو متجاوز للحد، بترك الحق والإقبال على الباطل، كذَّاب بنسبته ما أسرف فيه إلى الله. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ” وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ” وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ” إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ” “غافر 28” “وقال رجل مؤمن من آل فرعون” قيل: هو ابن عمه “يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن” أي لأن “يقول ربيَ الله وقد جاءَكم بالبينات” بالمعجزات الظاهرات “من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه” أي ضرر كذبه “وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم” به من العذاب عاجلا “إن الله لا يهدي من هو مسرف” مشرك “كذاب” مفتر.

جناس الاشتقاق في القرآن الكريم هو نوع من المحسنات البديعية اللفظية، يقوم على الجمع بين كلمتين أو أكثر من أصل اشتقاقي واحد (جذر ثلاثي مشترك) مع اختلاف المعنى، مما يضفي نغمة موسيقية عذبة وعمقاً دلالياً، مثل: “لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ” (الكافرون 2-3)، و”فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ” (الروم 43). أبرز أمثلة جناس الاشتقاق في القرآن الكريم: (يخادعون) و(خادعهم): في قوله تعالى: “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ” (النساء 142)، حيث التماثل في الأصل وتغاير السياق بين فعل وفاعل. (أعبد) و(تعبدون) و(عابدون): في سورة الكافرون، ويُعد من أظهر أمثلة اشتقاق الفعل والاسم من نفس الجذر. (وجهت) و(وجهي): في قوله تعالى: “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” (الأنعام 79). (أقم) و(القيم): في قوله تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ” (الروم 43). (تقلب) و(القلوب): في قوله تعالى: “يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ” (النور 37). (وازرة) و(وزر): في قوله تعالى: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ” (فاطر 18). (لِيُحِقَّ) و(الْحَقَّ): في قوله تعالى: “لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ” (الأنفال 8). فوائد جناس الاشتقاق في القرآن: الإيقاع الموسيقي: إحداث جرس موسيقي يطرب الأذن ويشد الانتباه. التوكيد والربط: ربط المعاني ببعضها وتأكيد الفكرة عبر تكرار نفس الحروف. الإيجاز: التعبير عن معانٍ متعددة بكلمات متقاربة الأصل.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ” ﴿غافر 28﴾ أتقتلون رجلا أن يقول ربّي الله. مع هذه الآيات تبدأ مرحلة جديدة من تأريخ موسى عليه السلام وفرعون، لم تطرح في أي مكان آخر من القرآن الكريم. المرحلة التي نقصدها هنا تتمثل بقصة (مؤمن آل فرعون) الذي كان من المقربين إلى فرعون، ولكنّه اعتنق دعوة موسى التوحيدية من دون أن يفصح عن إيمانه الجديد هذا، وإنّماتكتم عليه واعتبر نفسه. من موقعه في بلاط فرعون ـ مكلفاً بحماية موسى عليه السلام من أي خطر يمكن أن يتهدد من فرعون أومن جلاوزته. فعندما شاهد أنّ حياة موسى في خطر بسبب غضب فرعون، بادر بأسلوبه المؤثر للقضاء على هذا المخطط. يقول تعالى: “وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربّي الله” ﴿غافر 28﴾. أتقتلوه في حين أنّه: “وقد جاءكم بالبينات من ربّكم” ﴿غافر 28﴾. هل فيكم من يستطيع أن ينكر معاجزه، مثل معجزة العصا واليد البيضاء؟ ألم تشاهدوا بأعينكم انتصاره على السحرة، بحيث أن جميعهم استسلموا له وأذعنوا لعقيدته عن قناعة تامة، ولم يرضخوا لا لتهديدات فرعون ووعيده، ولا لإغراءاته وأمنياته، بل استرخصوا الأرواح في سبيل الحق; في سبيل دعوة موسى، وإله موسى. هل يمكن أن نسمّي مثل هذا الشخص بالساحر؟ فكروا جيداً، لا تقوموا بعمل عجول، تحسّبوا لعواقب الأُمور وإلاّ فالندم حليفكم.

ويستطرد الشيخ الشرازي في تفسيرة الآية الكريمة غافر 28 قائلا: ثم إنّ للقضية بعد ذلك جانبين: “وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم” ﴿غافر 28﴾. إنّ حبل الكذب قصير كما يقولون وسينفضح أمره في النهاية إذا كان كاذباً، وينال جزاء الكاذبين، وإذا كان صادقاً ومأُموراً من قبل السماء فإنّ توعده لكم بالعذاب حاصل شئتم أم أبيتم، لذا فإنّ قتله في كلا الحالين أمر بعيد عن المنطق والصواب. ثم تضيف الآيات: “إنّ الله لا يهدي من هو مسرفٌ كذّاب”. فإذا كان موسى سائراً في طريق الكذب والتجاوز فسوف لن تشمله الهداية الإلهية، وإذا كنتم أنتم كذلك فستحرمون من هدايته. ولنا أن نلاحظ أنّ العبارة الأخيرة برغم أنّها تحمل معنيين إلاّ أن “مؤمن آل فرعون” ﴿غافر 28﴾ يهدف من خلالها إلى توضيح حال الفراعنة. والتعبير الذي يليه يفيد أنّ فرعون، أو بعض الفراعنة ـ على الأقل ـ كانوا يؤمنون بالله، وإلاّ فإن تعبير (مؤمن آل فرعون) في خلاف هذا التأويل سيكون دليلا على إيمانه بإله موسى عليه السلام وتعاونه مع بني إسرائيل، وهذا ما لا يتطابق مع دوره في تكتمه على إيمانه، ولا يناسب أيضاً مع أسلوب (التقية) التي كان يعمل بها. وبالنسبة للتعبير الآنف الذكر “وإن يك كاذباً” ﴿غافر 28﴾ فقد طرح المفسّرون سؤالين: الأوّل: إذا كان موسى عليه السلام كاذباً، فإنّ عاقبة كذبه سوف لن تقتصر عليه وحسب، وإنّما سوف تنعكس العواقب السيئة على المجتمع برمته. الثّاني: أما لوكان صادقاً، فستتحقق كلّ تهديداته ووعيده لا بعض منها، كما في تعبير (مؤمن آل فرعون)؟ بالنسبة للسؤال الأول، نقول: إنّ المراد هو معاقبة جريمة الكذب التي تشمل شخص الكذّاب فقط ويكفينا العذاب الالهي لدفع شرّه. وإلاّ فكيف يمكن لشخص أن يكذب على الله، ويتركه سبحانه لشأنه كي يكون سبباً لإضلال الناس وإغوائهم؟ وبالنسبة للسؤال الثّاني، من الطبيعي أن يكون قصد موسى عليه السلام من التهديد بالعذاب، هو العذاب الدنيوي والأخروي، والتعبير بـ (بعض) إنّما يشير إلى العذاب الدنيوي، وهو الحد الأدنى المتيقّن حصوله في حالة تكذيبكم إيّاه.

وجاء في موقع موضوع عن الجناس: جناس الاشتقاق: ورد في قوله تعالى: “لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ” (الأنفال 8) فكل من كلمتي ليحق و الحق مشتقتان من الفعل حقق. ومنها قوله تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ” (الروم 43) فكل من كلمتي أقم والقيم مشتقتان من الفعل قوّم. وقوله تعالى: “إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” (الأنعام 79) فكلمة وجهت وكلمة وجهي مشتقان من الفعل وجه. وعن منتديات ستار تايمز عن الجناس: تجنيس الاشتقاق بأن يجتمعا في أصل الإشتقاق ويسمى المقتضب، نحو فروح وريحان، فأقم وجهك للدين القيم، وجهت وجهي.

جاء في کتاب ما وراء الفقه للسيد محمد محمد صادق الصدر: استعمالات الكذب في القرآن الكريم: وحيث عرفنا للكذب اصنافاً مختلفة وتطبيقات متعددة فينبغي لنا ان نطل اطلالة على القرآن الكريم لنجد أي هذه المعاني قد استعملها. وينبغي ان نلتفت هنا الى اننا نفحص عن “مادة” الكذب او مفهومه في القرآن الكريم، باي صيغة او تعريف كان كالمصدر او الفعل الماضي او غيرهما. كما ينبغي ان نلتفت ان بعض الاستعمالات القرآنية قابلة للحمل او الفهم في اكثر من معنى من المعاني السابقة، الا اننا ينبغي ان نحملها على اقرب المعاني العرفية واحداً كان او متعدداً. فقوله تعالى: “فكذبت وهو من الصادقين” (يوسف 26) يراد به المفارقة وعدم التطابق بين الوقل والواقع. وكذلك قوله: “فصدقت وهو من الكاذبين” (يوسف 26) وكذلك قوله تعالى: “ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون” (البقرة 10) وقوله سبحانه: “ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام” (النحل 116) وقوله عز من قائل: “وان يك كاذباً فعليه كذبه” (غافر 28). واما قوله تعالى: “والله يشهد ان المنافقين لكاذبون” (المنافقون 1) فهو للمفارقة بين الاعتقاد والقول كما قلنا. وان كان قولهم مطابقاً للواقع بدليل قوله تعالى: “والله يعلم انك لرسوله” (المنافقون 1). واما قوله تعالى: “بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون” (التوبة 77) فهي من الكذب في الوعد. أي المفارقة بين الوعد وتطبيقه. اذا فهمنا من الكذب في هذه الاية، ما ارتبط بالوعد المشار اليه فيه، والا كان لها معنى اخر. وقوله تعالى: “ما كذب الفؤاد ما رأى” (النجم 11) نفي المفارقة بين العلم والمعلوم. وان ما علمه الفؤاد من الامور والظواهر الكبرى كان مطابقاً للواقع. ولم يكن مخالفاً له. وقوله تعالى: “وجاؤوا على قميصه بدم كذب” (يوسف 18) ظاهره الاولي انه ليس بدم بل صبغ احمر يراد به الايهام بالدم. ولذا قال: انه “دم كذب” للمفارقة بين واقعه وبين المقصود منه للفاعلين. وهو الايهام بالدم. ولكن الظاهر من السياق العام للاية في قصة يوسف عليه السلام ان الايهام كان هو الايهام بقتل يوسف وان الدم دمه. في حين كان على القميص دم شاة او أي حيوان اخر. فالمفارقة التي اقتضت التعبير بالكذب كانت من هذه الجهة. ويمكن الجمع بين المعنيين من حيث انهم اوهموا بدم يوسف عليه السلام بجعل الصبغ على الثوب وليس دماً اخر. واما قوله تعالى: “ناصبة كاذبة خاطئة” (العلق 16) فالناصية تعبير اخر عن الفرد نفسه. والفرد قد يكون كاذباً وخاطئاً فعلا. عن كتاب القضاء: انه سأله راس الجالوت. فقال: ما وصل الاشياء؟ فقال علي عليه السلام: هو الماء، لقوله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي” (الانبياء 30). قال: وما جمادان تكلما؟ فقال عليه السلام: هما السماء والارض “قالتا اتينا طائعين” (فصلت 11). وقال: وما شيئان يزيدان وينقصان، ولا يرى الخلق ذلك. فقال عليه السلام: الليل والنهار. الى ان قال: وما الذي يتنفس بلا روح، فقال عليه السلام: “الصبح اذ تنفس” (التكوير 18). قال: وما شيء يزيد وينقص؟ فقال: القمر. وما شيء لا يزيد ولا ينقص؟ قال: البحر. قال: وما شيء ينقص ولا يزيد؟ قال: العمر.