د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ “لَيْسُوا سَوَاءً” اختلفوا في تقديره، والقول الصحيح أن هذا وقف تام. وقوله: “مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ” ابتداء كلام، ومعناه: ليس الذين ذكرنا من أهل الكتاب سواء أي: ليس الذين آمنوا من أهل الكتاب “أُمَّةٌ قَائِمَةٌ” كعبد الله بن سلام وأصحابه، والذين لم يؤمنوا، سواء في الدرجة والمنزلة، ثم استأنف، وبين افتراقهم فقال: “مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ” فحصل بهذا بيان الافتراق. وهذا كما لو أخبر القائل عن قوم بخبر فقال: بنو فلان يعملون كذا وكذا، ثم قال: ليسوا سواء، فإن منهم من يفعل كذا وكذا، وكذلك لو ذم قبيلة بالبخل والجبن، فقال غيره: ليسوا سواء، منهم الجواد، ومنهم الشجاع. فيكون منهم الجواد، ومنهم الشجاع، ابتداء كلام. وقال أبو عبيدة: هو على لغة أكلوني البراغيث. ومثله قوله تعالى: “ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ” وقال الشاعر: رأين الغواني الشيب لاح بعارضي، فأعرضن عني بالخدود النواضر. قال الزجاج والرماني: وليس الامر كما قال، لان ذكر أهل الكتاب قد جرى، فأخبر الله أنهم غير متساويين، ولأن هذه اللغة رديئة في القيام والاستعمال. وقال الفراء: المعنى منهم أمة قائمة، وأمة غير قائمة، اكتفاء بذكر أحد الفريقين، كما قال أبو ذويب: عصيت إليها القلب، إني لأمرها مطيع، فما أدري أرشد طلابها ولم يقل أم غي. وقال آخر: أواك فلا أدري أهم هممته * وذو الهم قدما خاشع متضائل. ولم يقل: أم غيره، لان حاله في التغير ينبئ أن الهم غيره أم غيره، فعلى هذا يكون رفع أمة على معنى الفعل، وتقديره: لا يستوي أمة هادية، وأمة ضالة. وعلى القول الأول رفع بالابتداء. وأنكر الزجاج هذا القول، وقال: ما بنا حاجة هنا إلى محذوف، لان ذكر الفريقين قد جرى في قوله منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. ثم قال: “لَيْسُوا سَوَاءً”. ولا يحتاج إلى أن يقدروا أمة غير قائمة، وقد تقدم صفتهم في قوله: “يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ”. وقوله: أمة قائمة فيه وجوه أحدها: إن معناها جماعة ثابتة على أمر الله، عن ابن عباس وقتادة والربيع. وثانيها: عادلة، عن الحسن ومجاهد وابن جريج وثالثها: قائمة بطاعة الله، عن السدي. ورابعها: إن التقدير: ذو أمة قائمة أي: ذو طريقة مستقيمة، عن الزجاج. وأنشد للنابغة: “وهل يأتمر ذو أمة وهو طائع” أي: ذو طريقة من طرائق الدين. قال علي بن عيسى: وهذا القول ضعيف لأنه عدول عن الظاهر. وحكم بالحذف من غير دلالة. “يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ” ﴿آل عمران 113﴾: يقرأون كتاب الله وهو القرآن “آنَاءَ اللَّيْلِ” ساعاته وأوقاته، عن الحسن والربيع. وقيل: يعني جوف الليل، عن السدي. وقيل: أراد به وقت صلاة العتمة، لان أهل الكتاب لا يصلونها، يعني أنهم يصلون صلاة العتمة، عن ابن مسعود. وقيل: إنه الصلاة ما بين المغرب والعشاء الآخرة، عن الثوري، وهي الساعة التي تسمى ساعة الغفلة. “وَهُمْ يَسْجُدُونَ” ﴿آل عمران 113﴾ قيل: أراد السجود المعروف في الصلاة. فعلى هذا يكون معناه: وهم مع ذلك يسجدون، ويكون الواو لعطف جملة على جملة. وقيل: معناه يصلون بغير السجود، فعبر بالسجود عن الصلاة، لأن السجود أبلغ الأركان في التواضع، عن الزجاج والفراء والبلخي، قالوا: لأن القراءة لا تكون في السجود، ولا في الركوع. وعلى هذا يكون الواو للحال أي: يتلون آيات الله بالليل في صلاتهم، هو قول الجبائي أيضا.
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” ﴿الحج 77﴾ خاطب سبحانه المؤمنين، فقال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا” أي: صلوا “وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ” بفعل ما تعبدكم به من العبادات. “وَافْعَلُوا الْخَيْرَ” قال ابن عباس: يريد صلة الرحم، ومكارم الأخلاق، ومعناه: لا تقتصروا على فعل الصلاة والواجبات من العبادات، وافعلوا غيرها من أنواع البر، من إغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف، وبر الوالدين، وما جانسها. “لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” أي: لكي تفلحوا، وتسعدوا.
وعن تفسير الميسر: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” ﴿الحج 77﴾ وَاسْجُدُوا: وَ حرف، عطف، اسْجُدُ فعل، وا ضمير. يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم اركعوا واسجدوا في صلاتكم، واعبدوا ربكم وحده لا شريك له، وافعلوا الخير؛ لتفلحوا، وجاهدوا أنفسكم، وقوموا قيامًا تامًّا بأمر الله، وادعوا الخلق إلى سبيله، وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، مخلصين فيه النية لله عز وجل، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم، هو اصطفاكم لحمل هذا الدين، وقد منَّ عليكم بأن جعل شريعتكم سمحة، ليس فيها تضييق ولا تشديد في تكاليفها وأحكامها، كما كان في بعض الأمم قبلكم، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم، وقد سَمَّاكم الله المسلمين مِن قبلُ في الكتب المنزلة السابقة، وفي هذا القرآن، وقد اختصَّكم بهذا الاختيار؛ ليكون خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم شاهدًا عليكم بأنه بلَّغكم رسالة ربه، وتكونوا شهداء على الأمم أن رسلهم قد بلَّغتهم بما أخبركم الله به في كتابه، فعليكم أن تعرفوا لهذه النعمة قدرها، فتشكروها، وتحافظوا على معالم دين الله بأداء الصلاة بأركانها وشروطها، وإخراج الزكاة المفروضة، وأن تلجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى، وتتوكلوا عليه، فهو نِعْمَ المولى لمن تولاه، ونعم النصير لمن استنصره.
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” ﴿الحج 77﴾ وَاسْجُدُوا: وَ حرف، عطف، اسْجُدُ فعل، وا ضمير. الأمر بالركوع والسجود أمر بالصلاة ومقتضى المقابلة أن يكون المراد بقوله:”واعبدوا ربكم” الأمر بسائر العبادات المشرعة في الدين كالحج والصوم ويبقى لقوله:”وافعلوا الخير” سائر الأحكام والقوانين المشرعة فإن في إقامتها والعمل بها خير المجتمع وسعادة الأفراد وحياتهم كما قال:” اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ:” (الأنفال 24). وفي الآية أمر بإجماع الشرائع الإسلامية من عبادات وغيرها. وعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (الحج 77) “يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا” أي صلوا “واعبدوا ربكم” وحدوه “وافعلوا الخير” كصلة الرحم ومكارم الأخلاق “لعلكم تفلحون” تفوزون بالبقاء في الجنة.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” ﴿الحج 77﴾ خاطب سبحانه في هذه الآية الذين صدّقوا به وبنبيه، خاطبهم بأن مجرد التصديق لا يجديكم نفعا إلا إذا جمعتم بين أوصاف أربعة: الأول أن تحافظوا على إقامة الصلاة للَّه وحده، وهذا هو المراد بقوله: اركعوا واسجدوا. الثاني أن تجتنبوا محارم اللَّه، كالنفاق والخيانة وإثارة الفتن والافتراء على الأبرياء وتدبير المؤامرات للتخريب والفساد، وهذا المعنى هو المقصود بقوله: واعبدوا ربكم. الثالث أن تفعلوا الخير، كإغاثة الملهوف وإصلاح ذات البين والتعاون على الصالح العام، وهو المعني بقوله: وافعلوا الخير. الرابع أن تجاهدوا بأنفسكم وأموالكم أعداء اللَّه والإنسانية. ومتى اجتمع في الإنسان هذه الخصال فهو من أهل الفلاح والصلاح، وتقدم أكثر من مرة ان كلمة لعل من اللَّه تفيد الحتم والوجوب، ومن غيره تفيد الاحتمال والرجاء.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” ﴿الحج 77﴾ آيتان التاليتان هما آخر آيات سورة الحجّ حيث تخاطبان المؤمنين وتبيّنان مجموعة من التعاليم الشاملة التي تحفظ دينهم ودنياهم وإنتصارهم في جميع الميادين، وبهذه الروعة والجمال تختتم سورة الحجّ. في البداية تشير الآية إلى أربعة تعليمات “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” وقد بيّنت الآية ركنين من أركان الصلاة، الركوع والسجود لأهميتهما الإستثنائية في هذه العبادة العظيمة. والأمر بعبادة الله ـ بعد الأمر بالركوع والسجود ـ يشمل جميع العبادات. ولفظ (ربّكم) إشارة إلى لياقته للعبادة وعدم لياقة غيره لها، لأنّه سبحانه وتعالى مالك عبيده وجميع مخلوقاته ومربّيهم. والأمر بفعل الخير يشمل أعمال الخير دون قيد أو شرط، وما نقل عن ابن عبّاس من أنّ هذه الآية تتناول صلة الرحم ومكارم الأخلاق هو بيان مصداق بارز لمفهوم الآية العامّ.
جاء في موقع هذا الإسلام للشيخ محمد بن ابراهيم التويجري عن احصائيات القرآن الكريم: يحتوي القرآن الكريم على 15 موضع للسجود: (الأعراف 206). (الرعد 15). (النحل 49). (الإسراء 107). (مريم 58). (الحج 18). (الحج 77). (الفرقان 60). (النمل 25). (السجدة 15). (ص 24). (فصلت 37). (النجم 62). (الانشقاق 21). (العلق 19).