ظاهرة التعطيل المفرط : استنزاف للوطن وإرهاق للمواطن

رياض سعد

مرّ العراقيون، على امتداد عقود طويلة، بظروف قاسية واستثنائية جعلت الإنسان العراقي يعيش تحت ضغط دائم من الخوف والتعب والحرمان… ؛  فمنذ قيام الحكومات الملكية مرورًا بالعهود الجمهورية والانقلابات والصراعات والحروب، عاش العراقي حياةً مثقلة بالأزمات والملاحقات الأمنية وعسكرة المجتمع، حتى غدت الراحة حلمًا مؤجلًا، والسكينة أمنية بعيدة المنال.

لقد عرف العراقي السجون والمعتقلات، وعرف الجندي العراقي سنوات الاستنزاف في جبهات القتال، كما عرف الموظف والعامل أقسى أشكال الكدح والعمل المضني .

 فالموظف كان يعمل طوال الأسبوع مقابل عطلة وحيدة لا تتجاوز يوم الجمعة، بينما كان عمال المصانع، ولا سيما معامل التصنيع العسكري، يعملون لساعات طويلة في ظروف شاقة تكاد تقترب من السخرة المقنّعة… ؛  أما المواطن العادي، فقد كان يركض ـ كما لو أنه في سباق بقاء ـ لتأمين لقمة العيش وسط الخوف والفقر والقمع.

لذلك، لم يكن مستغربًا أن يتوق العراقي، بعد عام 2003، إلى شيء من الراحة النفسية والاستقرار الاجتماعي بعد تلك العقود العجاف… ؛  فقد كان من الطبيعي أن يسعى الناس إلى استعادة إنسانيتهم المرهقة، وأن تبحث الدولة عن وسائل لتخفيف الضغوط المتراكمة على المجتمع.

ومن هنا جاءت فكرة التوسع في العطل الرسمية، وإقرار يومين للعطلة الأسبوعية، فضلًا عن تعدد المناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية التي أصبحت تُقابل غالبًا بتعطيل الدوام الرسمي.

في بدايات الأمر، بدا هذا التوجه مفهومًا ومبررًا؛ لأن المجتمعات الخارجة من الحروب والصدمات تحتاج فعلًا إلى إعادة ترميم نفسي واجتماعي، وتحتاج إلى فسحات للراحة والاستجمام وإعادة بناء الشخصية الوطنية المنهكة… ؛  فالتنمية لا تقوم على الإنسان المرهق والمحطم نفسيًا فقط، بل تحتاج إلى مواطن متوازن يشعر بالأمان والكرامة والاستقرار.

غير أن المشكلة بدأت حين تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والراحة إلى حالة دائمة، والعطلة إلى أسلوب إدارة للحياة العامة.

فالعراق اليوم ليس بلدًا يعيش حالة استقرار اقتصادي وتنموي تسمح له بهذا الكم الكبير من التعطيل، بل هو بلد يحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، وإلى بناء مؤسسات قوية، وإلى معالجة أزمات البطالة والفقر والخدمات والتعليم والصحة والبنية التحتية.

وهذه الأهداف الكبرى لا تتحقق إلا بالعمل الجاد والانضباط والإنتاج واستثمار الوقت، لا بثقافة التوقف المستمر عن العمل وكثرة التعطيل .

لقد أصبح التعطيل، في كثير من الأحيان، يُفرض بسبب ومن دون سبب وجيه … ؛  فنحن نعطل عند الفرح، ونعطل عند الحزن، ونعطل للمناسبات الدينية، وأخرى اجتماعية، وثالثة رياضية، حتى باتت دوائر الدولة وحياة الناس عرضة للتوقف المتكرر.

وأصبح المواطن البسيط هو أول المتضررين من هذا الواقع؛ إذ تتعطل معاملاته، وتتأخر مصالحه، وتتراكم مراجعاته، وقد تتأخر أحيانًا رواتب الموظفين والمتقاعدين بسبب سلسلة العطل الطويلة.

إن العطلة، في أصلها، وُجدت لتكون متنفسًا للإنسان وفرصة لاستعادة النشاط، لكنها حين تتجاوز حدودها الطبيعية تتحول إلى عبء اقتصادي واجتماعي… ؛  فكل يوم تعطيل يعني تراجعًا في الإنتاج، وتأخرًا في إنجاز المشاريع، وخسائر مالية مباشرة وغير مباشرة، فضلًا عن ترسيخ ثقافة الكسل والاتكالية والاستهلاك بدل ثقافة العمل والإنجاز والانتاج .

وقد أدركت الأمم المتقدمة هذه الحقيقة منذ زمن طويل؛ لذلك جعلت معيار تقدمها قائمًا على قيمة الوقت واحترام العمل… ؛  فاليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية، مثلًا، لم تنهض من تحت ركام الحروب بالراحة الطويلة، بل بثقافة الانضباط والعمل والتضحية والإنتاج… ؛  حتى إن بعض تلك الدول كانت تقلص العطل إلى أدنى حد ممكن خلال مراحل إعادة البناء، لأن الشعوب التي تريد الحياة لا تستطيع أن تبني أوطانها بعقلية التوقف المستمر.

وما يزيد الأمر خطورة أن بعض السياسيين باتوا يوظفون ملف العطل لتحقيق مكاسب شعبوية وانتخابية، فيُصار إلى إعلان التعطيل أحيانًا لإرضاء جمهور معين أو لكسب تعاطف الشارع، لا انطلاقًا من حاجة وطنية حقيقية.

وبدل أن يجري تعليم الشباب معنى المبادرة والإبداع والعمل، يُدفع كثير منهم ـ بصورة غير مباشرة ـ نحو ثقافة الانتظار والفتور والاستهلاك والكسل والتواني .

ولا يعني هذا الطرح التقليل من أهمية المناسبات الدينية أو الوطنية أو الاجتماعية، فهذه المناسبات تمثل جزءًا من هوية المجتمع ووجدانه الروحي والثقافي، لكن الفرق كبير بين احترام المناسبة وبين شلّ مؤسسات الدولة وتعطيل حياة الناس بصورة مفرطة ومتكررة… ؛  فالتوازن هو جوهر الحكمة، والدول الناجحة هي التي تعرف كيف توفّق بين احترام المناسبات والحفاظ على مصالح المجتمع والدولة.

إن العراق اليوم بحاجة إلى مرحلة جديدة من الوعي، يكون عنوانها: “العمل من أجل الحياة”… ؛  فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، ولا بالعواطف المجردة، بل تُبنى بسواعد أبنائها، وباحترام الوقت، وبإعلاء قيمة الإنتاج والانضباط.

لقد تعب العراقي طويلًا، نعم، ومن حقه أن يرتاح، لكن العراق نفسه متعب أيضًا، ومن حقه على أبنائه أن يعملوا من أجله… ؛  فكما يحتاج الإنسان إلى الراحة، يحتاج الوطن إلى النهوض، ولا يمكن تحقيق النهضة في ظل التعطيل المستمر وتأجيل المصالح العامة.

إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة النظر بجدية في فلسفة العطل وآليات تنظيمها، بما يحقق التوازن بين حق المواطن في الراحة وحق الوطن في البناء… ؛  لأن مصالح الناس لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل، ولأن العراق، وهو يواجه تحديات اقتصادية وتنموية هائلة، يحتاج اليوم إلى ثقافة عمل أكثر من حاجته إلى ثقافة التعطيل.