رياض سعد
*مقدمة
ليس القانون مجرد نصوص جامدة تُسطَّر في دفاتر الدولة، ولا هو أوامر عليا مفروضة من سلطة متعالية، بل هو في جوهره تعبير مكثّف عن قلق الإنسان من الفوضى، وخوفه من الانفلات، وسعيه الدائم إلى بناء معنى مشترك للحياة داخل الجماعة…؛ هذا ما ينبغي ان يكون … .
اما ما هو كائن ؛ ليس القانون بريئًا كما يُقدَّم، ولا محايدًا كما يُفترض، بل هو في كثير من الأحيان الوجه الأكثر تهذيبًا للسلطة، والقناع الذي ترتديه القوة حين تريد أن تُقنعنا بأنها عدالة… ؛ فحين يُقال إن القوانين تُشرَّع لتنظيم الحياة، ينبغي أن نسأل: أيّ حياة؟ ولصالح من؟ ومن يملك حق تعريف الفوضى أصلًا؟
في العراق، و منذ تشكّل الدولة الحديثة، ظلّ القانون في العراق يتحرك بين قوتين: قوة النص وقوة الواقع… ؛ الأولى تحاول أن ترسم صورة دولة منظمة، والثانية تعيد تشكيل كل شيء وفق منطقها الخاص؛ منطق القوة، والولاء، والمصلحة… ؛ وبين هاتين القوتين، يقف الفرد حائرًا: إلى أيهما ينتمي؟ إلى قانون لا يحميه دائمًا، أم إلى شبكة علاقات قد تحميه مؤقتًا؟!
كذلك لا تبدو أزمة القانون في نقصه، بل في غربته عن واقع المجتمع وهموم المواطنين … ؛ فالنصوص القانونية قائمة، والدساتير مكتوبة بعناية، والعبارات منمّقة بما يكفي لتوحي بأن العدالة تقف على أعتاب الدولة، لكن الواقع يكشف شيئًا آخر: قانونٌ يُقرأ ولا يُطبّق، يُستدعى ولا يُحتكم إليه، ولا يعبر عن احتياجات الوطن والمواطن ؛ حاضرٌ في اللغة وغائبٌ في الحياة.
نعم , في العراق، لم تكن المشكلة يومًا في غياب النصوص، بل في ازدواج المرجعيات التي تحكم الحياة العامة وابتعاد المشرع عن هموم الناس ؛ فالقانون مكتوب، نعم، لكنه ليس دائمًا هو اللغة الوحيدة التي تُحسم بها الأمور… ؛ إلى جانبه، تتشكل أنظمة غير مرئية: نفوذ، انتماء، وساطة، وتوازنات تتقدم أحيانًا على النص نفسه… ؛ وهكذا ينقسم الواقع بين قانون يُفترض أنه يحكم، وواقع يحكم فعليًا.
*القانون بوصفه مرآة الوجود الاجتماعي
إنّ لحظة تشريع القانون هي في حقيقتها لحظة اعتراف ضمني بأن الطبيعة البشرية، في حالتها الخام، عاجزة عن إنتاج الانسجام دون إطار ناظم.
في كل دولة تُولد القوانين بوصفها إعلانًا غير معلن عن نية العيش المشترك… ؛ لكن في بعض التجارب، يتحول هذا الإعلان إلى مجرد طقس لغوي، تتكرر فيه مفردات العدالة بينما تتآكل معانيها في العمق… ؛ هنا لا يعود القانون سيّدًا على الواقع، بل يصبح شاهدًا عليه.
فالقوانين لا تُشرَّع في فراغ، بل هي استجابة لتحولات الواقع… ؛ فكل تغير اقتصادي أو تكنولوجي أو ثقافي يولّد بالضرورة حاجة إلى إعادة صياغة القواعد… ؛ وهذا ما يجعل القانون كائنًا حيًا، يتطور مع الزمن، ويتأثر ببنية المجتمع… ؛ و في هذا السياق، يصبح التشريع عملية مستمرة لإعادة التوازن بين الثابت والمتغير، بين القيم الراسخة ومتطلبات العصر.
كما أن القانون يؤدي وظيفة رمزية عميقة؛ فهو لا ينظم السلوك فحسب، بل يحدد ما يعتبره المجتمع مقبولًا أو مرفوضًا… ؛ وبهذا المعنى، يتحول إلى أداة لصياغة الوعي الجمعي، وترسيخ منظومة القيم، بحيث لا يعود الامتثال له مجرد خوف من العقوبة، بل اقتناع ضمني بضرورته.
*القانون والفلسفة السياسية
من الناحية النظرية، كما تقول الفلسفة السياسية، لا تستقيم الدولة دون احتكار واضح للشرعية القانونية… ؛ لكن هذا الاحتكار لا يتحقق بالنص وحده، بل بقدرة الدولة على فرضه دون استثناء… ؛ وحين تتعدد مراكز القوة داخل الدولة نفسها، يتشظى مفهوم القانون، ويصبح قابلاً للتأويل بحسب موقع من يقرأه، لا بحسب إلزاميته.
وفي الأدبيات الكلاسيكية لـ الفلسفة السياسية، يظهر القانون بوصفه مخرجًا من هوس الوجود الإنساني… ؛ هكذا صوّره توماس هوبز حين جعل الإنسان مشروع صراع دائم، لا يردعه إلا سيف الدولة… ؛ لكن هذه الرؤية، رغم قوتها، تخفي افتراضًا خطيرًا: أن الخوف هو الأصل، وأن الطاعة هي الحل… ؛ وبذلك يتحول القانون من أداة لحماية الإنسان إلى أداة لإعادة تشكيله وفق إرادة السلطة... ؛ فرض القانون بالقوة هو أو الضامن للاستقرار عند توماس هوبز … ؛ حيث صاغ توماس هوبز رؤيته الشهيرة عن “حرب الجميع ضد الجميع”، تلك الحالة التي يصبح فيها الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان… ؛ ومن هنا، لم يكن القانون ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، كجدارٍ يحمي الكيان الاجتماعي من الانهيار.
لقد افترض توماس هوبز أن الخوف من الفوضى هو ما يدفع الإنسان إلى قبول السلطة والقانون… ؛ لكن ما يحدث حين تضعف السلطة أو تتعدد مصادرها، هو أن الخوف لا يختفي، بل يتوزع، ومعه يتوزع القانون أيضًا… ؛ فلا يعود هناك قانون واحد للجميع، بل تطبيقات متعددة له، تختلف باختلاف القرب من مركز القوة.
وعلى الضفة الأخرى، حاول جان جاك روسو إنقاذ القانون من قبضة القوة، عبر مفهوم “الإرادة العامة”. .. ؛ ففي المقابل، حلم جان جاك روسو بقانون يعبر عن الإرادة العامة، عن ذلك الكيان الجمعي الذي يسمو فوق المصالح الجزئية… ؛ غير أن الإرادة العامة، حين لا تجد مؤسسات صادقة تعكسها، تتحول إلى شعار، بينما تتكفل المصالح الواقعية بإنتاج “إرادات خاصة” أقوى من أي نص... ؛ نعم , ان القانون نفسه، حين يُختطف سياسيًا، قد يتحول إلى ذريعة لقمع المختلفين باسم “الجماعة”، وكأن الصوت الجمعي كيان نقي لا تشوبه مصالح أو انحيازات.
فالقانون لا يولد فقط من الخوف، بل أيضًا من الرغبة في العدالة… ؛ و الإنسان، رغم أنانيته، يحمل في داخله حدسًا أخلاقيًا يدفعه إلى البحث عن الإنصاف… ؛ وهنا يتماهى القانون مع ما نظّر له جان جاك روسو في فكرة “الإرادة العامة”، حيث يصبح التشريع انعكاسًا لإرادة جماعية تسعى إلى تحقيق الخير المشترك، لا مجرد أداة قمع وترهيب .
في هذا السياق، يقدّم ميشيل فوكو قراءة أكثر تفكيكًا؛ إذ يرى أن القانون ليس مجرد نص، بل جزء من شبكة أوسع من “السلطة/المعرفة”، حيث لا تُفرض السيطرة بالقوة وحدها، بل عبر إنتاج ما نعتبره طبيعيًا أو بديهيًا… ؛ وهنا يمكن فهم ما أشار إليه ميشيل فوكو حول علاقة السلطة بالقانون: فالقانون ليس خارج السلطة، بل أحد أشكالها الأكثر تنظيمًا… ؛ لكنه حين يفقد توازنه، يتحول إلى غطاء ناعم لسلطة غير مرئية، تُمارس تأثيرها خارج النص، وتستدعي النص حين تحتاجه فقط.
إن أخطر ما في هذا التحول ليس الظلم الفردي، بل اهتزاز فكرة العدالة نفسها… ؛ فالمجتمع الذي يعتاد على تفاوت تطبيق القانون، يبدأ تدريجيًا في إعادة تعريف العدالة ليس كقيمة مطلقة، بل كحالة نسبية مرتبطة بالموقع والقدرة.
هنا تحديدًا تبدأ المشكلة الحقيقية: فالقوانين لا تُصاغ في فضاء مثالي، بل داخل بنى قوى غير متكافئة… ؛ ومن يملك سلطة التشريع، يملك – ضمنًا – سلطة تعريف العدالة… ؛ لذلك، كثيرًا ما يكون القانون استجابةً لمصالح محددة، حتى وإن تزيّن بلغة المصلحة العامة.
السبب لا يكمن في القانون ذاته، بل في البيئة التي يُفترض أن يعمل داخلها… ؛ فالدولة التي تعاني من انقسامات سياسية حادة، وتداخل في مراكز القرار، لا تستطيع أن تمنح القانون وحدته وهيبته… ؛ وعندما تتعدد مصادر القوة خارج إطار الدولة، يصبح القانون مجرد خيار من بين خيارات، لا مرجعية نهائية.
الأخطر من ذلك، هو تحوّل القانون أحيانًا إلى أداة انتقائية؛ يُطبّق بصرامة في موضع، ويُهمل في موضع آخر… ؛ وهذا التفاوت لا يخلق فقط ظلمًا مباشرًا، بل يهدم الفكرة ذاتها التي يقوم عليها القانون: المساواة والعدالة الاجتماعية ؛ فعندما يشعر المواطن أن القانون لا يُطبّق على الجميع، يفقد ثقته به، ويتجه – بوعي أو بدونه – إلى البحث عن بدائل: العشيرة، الحزب، النفوذ… الخ .
نعم , إنّ أخطر ما في القوانين ليس ما تعلنه، بل ما تخفيه: الفوارق التي تُكرّسها، والامتيازات التي تحميها، والأصوات التي تُقصيها… ؛ لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نُشرّع القوانين؟ بل: كيف نمنع القوانين من أن تتحول إلى وسيلة لإدامة الهيمنة؟
* القانون في العراق: بين غربة النص وانكسار الواقع
وفي العراق -وفقا لرؤية ميشيل فوكو – ، هذه الشبكة معقدة إلى حد يجعل القانون أحيانًا تابعًا لها، لا منظمًا لها… ؛ فلا تعود النصوص هي التي تحكم الواقع، بل الواقع هو الذي يحدد متى وكيف تُستخدم النصوص.
ووفقا لرؤية توماس هوبز وجان جاك روسو ؛ ، يبدو أن القانون لم يستقر في أيٍّ من هذين الموقعين؛ فلا هو صار إرادة عامة حقيقية، ولا هو استطاع أن يفرض استقرارًا مستدامًا بالقوة .
الأزمة الأعمق ليست في القانون بوصفه نصًا، بل في القانون بوصفه “سيادة”… ؛ فالقانون لا يكتسب معناه من جمال صياغته، بل من قدرته على أن يكون أعلى من الجميع، بلا استثناء… ؛ وحين يُستثنى منه أحد، لأي سبب كان، يبدأ بالتآكل من الداخل، حتى لو بقي سليمًا على الورق.
*ضرورة القانون
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن للقانون ضرورة موضوعية أو القول إن القانون بلا جدوى … ؛ بل على العكس، هو ما يزال يمثل الأمل الوحيد لإعادة بناء الدولة على أسس عادلة… ؛ فبدونه، تتفكك الروابط الاجتماعية، وتتحول النزاعات إلى صدامات مفتوحة… ؛ لكن هذا الأمل مشروط بتحوّل عميق: أن يصبح القانون أعلى من الجميع، لا أداة بيد أحد… ؛ وأن تُبنى مؤسسات قادرة على تطبيقه باستقلالية، لا وفق توازنات مؤقتة.
لكن هذه الضرورة لا تمنحه قداسة، بل تفرض علينا مراقبته باستمرار… ؛ فالقانون الذي لا يُراجع، يتحول إلى أداة قمع؛ والذي لا يُنتقد، يصبح صنمًا.
*القانون من زاوية نفسية
ومن زاوية نفسية، يمكن النظر إلى القانون باعتباره آلية لضبط الصراع الداخلي قبل الخارجي؛ فالفرد يعيش تنازعًا دائمًا بين رغباته وحدود الآخرين، بين نزوعه إلى التملك وحاجته إلى الاعتراف… ؛ وهنا يتدخل القانون ليحوّل هذا التوتر إلى سلوك منضبط، فيرسم حدودًا غير مرئية لكنها نافذة، تجعل الحرية ممكنة دون أن تتحول إلى فوضى.
ومع ذلك، يبقى القانون مشروعًا إنسانيًا ناقصًا، لأنه انعكاس لإنسان ناقص… ؛ فقد يُساء استخدامه، أو يُصاغ لخدمة فئة دون أخرى، أو يتأخر عن مواكبة التحولات… ؛ وهنا تظهر الحاجة الدائمة إلى نقده ومراجعته، لا بوصفه نصًا مقدسًا، بل كأداة قابلة للإصلاح , كما اسلفنا .
* خاتمة: بيان غير مكتمل
الدولة التي لا يكون قانونها فوق الجميع، لا تملك قانونًا بالمعنى الحقيقي، بل تملك نصوصًا قابلة للتفعيل والتجميد وفق الحاجة… ؛ وفي مثل هذه الحالة، لا تنهار الدولة فجأة، بل تتآكل ببطء: تبدأ من ثقة المواطن، وتنتهي عند معنى العدالة نفسه.
إن استعادة القانون ليست عملية تشريعية فقط، بل عملية سيادية وأخلاقية في آن واحد: أن يعود النص أعلى من الاستثناء، وأن تعود العدالة فكرة لا تُجزأ، لا امتيازًا يُمنح.
والقانون في العراق ليس أزمة نصوص، بل أزمة ثقة وعقدة تمثيل … ؛ وما لم تُستعاد هذه الثقة وتزاح غربة النص ، سيبقى القانون معلقًا بين الورق والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن.
إنّ بناء دولة القانون لا يبدأ بكتابة تشريعات جديدة، بل بقرار حاسم: أن لا أحد فوق القانون، وان القانون يعبر عن احتياجات المواطن وهموم الناس اليومية ؛ وأن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية لا تُستثنى منها قوة ولا تُعفى منها سلطة.
إنّ الأسباب الموضوعية لتشريع القوانين لا تختزل في التنظيم أو الردع، بل تمتد إلى عمق التجربة الإنسانية ذاتها؛ إلى الخوف، والرغبة، والصراع، والأمل. فالقانون، في نهاية المطاف، هو محاولة الإنسان الدائمة لترويض ذاته، وبناء عالم يمكن العيش فيه دون أن يفترس بعضه بعضًا، عالمٍ تتوازن فيه الحرية مع المسؤولية، والحق مع الواجب، والفرد مع الجماعة.
القانون ضرورة، نعم… لكنه أيضًا ساحة صراع… ؛ هو ليس نهاية العدالة، بل بدايتها الهشّة… ؛ وبين الحاجة إليه والخوف منه، يعيش الإنسان معضلة دائمة: كيف يضع قواعد تنظّمه دون أن تتحول هذه القواعد إلى قيود تخنقه؟
تلك هي المفارقة التي تجعل من التشريع فعلًا إنسانيًا مفتوحًا على النقد، لا نصًا مغلقًا على الطاعة.