القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وهيمنة السلطة

رياض سعد

في العالم العربي، لا تبدأ مشكلة القانون من غيابه، بل من حضوره الشكلي… ؛  فالدساتير موجودة، والتشريعات وفيرة، واللغة القانونية متخمة بمفردات العدالة والحقوق، لكن الواقع يسير في اتجاه آخر… ؛  هنا، لا يكون السؤال: لماذا نُشرّع القوانين؟ بل: لماذا لا تعمل؟

من الناحية النظرية، يفترض القانون – كما في أدبيات الفلسفة السياسية – أن يكون تعبيرًا عن إرادة عامة، أو على الأقل عن توازن اجتماعي مقبول… ؛  غير أن هذا الافتراض يصطدم في كثير من الدول العربية بواقع مختلف، حيث تُصاغ القوانين غالبًا داخل دوائر ضيقة من السلطة، لا داخل فضاء اجتماعي مفتوح… ؛  وهنا يفقد القانون شرطه الأول: الشرعية الاجتماعية.

لقد تخيّل جان جاك روسو أن القانون هو صوت الجماعة حين تتكلم بوصفها كُلًّا، لكن ما يحدث فعليًا هو أن هذا الصوت يُختزل، أو يُعاد إنتاجه عبر مؤسسات لا تمثل بالضرورة جميع الفئات والمكونات … ؛  وفي المقابل، كان توماس هوبز يرى في السلطة القوية ضمانًا للاستقرار، لكن التجربة العربية أظهرت أن القوة، حين لا تُقيَّد، قد تنتج استقرارًا هشًّا قائمًا على الخوف لا على الثقة.

المشكلة الأعمق تكمن في الفجوة بين “النص” و“التطبيق”… ؛ فالقانون في كثير من الأحيان يُستخدم بانتقائية؛ يُفعَّل حين يخدم مصلحة، ويُعطَّل حين يتعارض معها… ؛  وهذا ما يحوّله من قاعدة عامة إلى أداة ظرفية، ومن معيار للعدالة إلى وسيلة للضبط السياسي.

هنا يمكن استحضار تحليل ميشيل فوكو، الذي لم يرَ القانون ككيان مستقل، بل كجزء من شبكة سلطة أوسع… ؛  ففي السياق العربي، لا تعمل القوانين وحدها، بل تتقاطع مع البنية الاجتماعية، والولاءات التقليدية، ومراكز النفوذ غير الرسمية… ؛  وبهذا، يصبح القانون مجرد عنصر في معادلة معقدة، لا مركزها.

ومن زاوية أخرى، تعاني البيئة التشريعية من تضخم القوانين مقابل ضعف إنفاذها… ؛  فبدل أن يكون القانون قليلًا وواضحًا وحاسمًا، يتحول إلى نصوص متراكمة، تفتح أبواب التأويل، وتمنح مساحة واسعة للاجتهاد الانتقائي… ؛  وهذه ليست مشكلة تقنية، بل تعبير عن غياب رؤية قانونية موحّدة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المسألة في السلطة وحدها؛ فالمجتمع نفسه، في بعض الحالات، لا يتعامل مع القانون بوصفه مرجعية عليا، بل كخيار من بين خيارات، يمكن تجاوزه عبر العلاقات أو النفوذ أو الانتماءات… ؛  وهنا ندخل في دائرة مفرغة: قانون ضعيف، ومجتمع لا يثق به، وسلطة لا تجد حافزًا حقيقيًا لإصلاحه.

خاتمة:

القانون في العالم العربي يقف في منطقة رمادية: هو موجود لكنه غير فاعل، حاضر لكنه غير حاسم… ؛ والخروج من هذه الحالة لا يتحقق بمجرد سنّ قوانين جديدة، بل بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة والمساءلة… ؛  فالقانون لا يكتسب قوته من نصّه، بل من إيمان الناس به، ومن خضوع الجميع له دون استثناء.

إنّ التحدي الحقيقي ليس في كتابة قانون جيد، بل في جعل هذا القانون أقوى من المصالح التي تحاول الالتفاف عليه… ؛ عندها فقط، يمكن أن يتحول من أداة في يد السلطة إلى إطار يحمي المجتمع… ؛ بما في ذلك من السلطة نفسها.