رياض سعد
مقدمة
تتجلى أمام المجتمعات العربية والإسلامية عامة، والعراقية خاصة، إحدى أعمق الإشكاليات البنيوية التي تعيق مسيرة التنمية والتطور المؤسسي؛ ألا وهي ظاهرة تقديم “أهل الثقة” على “أهل الخبرة” في إدارة الشأن العام.
هذه المعضلة ليست وليدة اللحظة الراهنة، بل هي امتداد لتراكمات تاريخية وذهنيات متجذرة في أدبيات كثير من الحركات السياسية والأحزاب الإسلامية، حيث تترسخ أفكار ومقولات ورؤى وشعارات تعميمية جاهزة، ما أنزل الله بها من سلطان، كثيراً ما تعارضت مع العلم، وتقاطعت مع الواقع، بل وتنافرت مع الوجدان السليم أحياناً.
ومن أبرز هذه الترهات السطحية وأكثرها خطورة مقولة: “أهل الثقة ولا أهل الخبرة”، أو “أهل الثقة أولاً”، أو “أهل الثقة يقدمون على أهل الخبرة”, “أهل الثقة أولى من أهل الخبرة”، أو “الثقة تُقدَّم على الكفاءة”، أو “المهم أن يكون الرجل موثوقًا حتى لو لم يكن خبيرًا”.
وقد تحولت هذه المقولات والشعارات والرؤى الجامدة مع الزمن إلى مسلمات لا تُناقش .
تشريح الظاهرة: “أهل الثقة” كمفهوم ملتبس
من بين تلك المقولات السطحية التي راجت وتداولتها الأوساط الحزبية والدينية الضيقة: “أهل الثقة أولاً”، و”أهل الثقة يقدمون على أهل الخبرة”، وغيرها من الصيغ التي تكرس منطقاً أعوج في إدارة الدول والمؤسسات السياسية والحكومية والدينية , كما اسلفنا .
والمفارقة الكبرى أن هؤلاء هم أنفسهم من يحتكرون تعريف “الثقة” وتشخيص مصاديقها الخارجية، فلو كان شخص ما غير ثقة في نظر البشرية جمعاء، لكنه ثقة في منظورهم الخاص، لغضّوا الطرف عن كلام الناس والعرف السائد، ومضوا قدماً وفق رؤاهم ومعتقداتهم الذاتية، مهما كانت بعيدة عن الحق والواقع… ؛ فالحق في نظرهم القاصر يدور معهم حيثما داروا !!
هذه الفكرة التي تبدو في ظاهرها أخلاقية أو دينية، تحولت عمليًا إلى أحد أخطر أسباب انهيار المؤسسات، وفساد الإدارة، وفشل الدولة الحديثة في كثير من البلدان ؛ ولاسيما في العراق ؛ ذلك أن أصحاب هذه الرؤية لا يكتفون بتقديم “الثقة” على “الخبرة”، بل يحتكرون هم أنفسهم تعريف معنى الثقة وتحديد مصاديقها الخارجية كما اسلفنا .
فقد يكون الشخص في نظر المجتمع جاهلًا، أو متعصبًا، أو فاشلًا، أو محدود الأفق، لكنه يصبح “ثقة” ما دام ينتمي إلى دائرتهم الضيقة أو يردد أفكارهم أو يخضع لسلطتهم النفسية والتنظيمية...!!
وهنا تكمن الكارثة.
إذ يتحول الحق ـ في نظر هؤلاء ـ إلى شيء يدور معهم حيثما داروا، وكأنهم معيار الحقيقة الوحيد، وكأن الناس جميعًا مخطئون إلا جماعتهم، وكأن الخبرة والعلم والتخصص أمور ثانوية يمكن تجاوزها بالمشاعر والانتماء والطاعة التنظيمية.
*الثقة بين الماضي والحاضر: دروس من التاريخ العراقي
يسترجع المرء هنا الذاكرة العراقية الجمعية في عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، فلو تنزّلنا وسلّمنا بتعريفهم لمفهوم الثقة، وتغاضينا عن كوارث ثقاتهم، فإننا لا ننسى المقولة الساخرة الشهيرة التي تختزل هذا العبث الفكري والسذاجة الايدلوجية ؛ حيث تداول الملتزمون دينياً والمعارضون السياسيون مقولة ساخرة تلخص مآلات تلك العقلية: “من ثقة إلى ثقة… وصلنا إلى حبل المشنقة”… ؛ وهي عبارة تحمل دلالة نفسية واجتماعية عميقة؛ لأنها تعبّر عن مجتمع أُنهك من نتائج الاعتماد على الولاءات العمياء والمشاعر العاطفية والرؤى العقائدية بدل الكفاءات الحقيقية والقراءات الواقعية والاعتماد على المعايير العقلية والعلمية الصارمة .
بل إن السخرية الشعبية ذهبت أبعد من ذلك، عبر قصة متداولة آنذاك ـ سواء كانت حقيقية أم رمزية ـ تحكي أن رجلًا بسيطًا ذهب إلى أحد رجال الدين وقال له باستغراب:
— “قال فلان الثقة إنك ميت… فكيف أنت حي؟!”
فأجابه الرجل متعجبًا:
— “لكنني واقف أمامك الآن!”
فرد الآخر بكل براءة:
— “نعم… لكن الذي نقل الخبر ثقة!”
وقد تحولت هذه القصة إلى مادة للتندر والسخرية والاستهزاء ؛ لأنها كشفت كيف يمكن للعقل أن يتعطل تمامًا حين تتحول “الثقة” إلى صنم نفسي وفكري يُقدَّم على الحس والعقل والواقع… ؛ وهذه القصة تكشف – ايضا – عن علة مرضية في بنية التفكير الجمعي.
*الثقة الشخصية مقابل الشأن العام: حدود الثقة بين الخاص والعام / تفكيك المغالطة
حتى لو تنزلنا -جدلاً- وقبلنا بمفهومهم للثقة , وقبلنا بالرجال الثقات عندهم , كما اسلفنا ؛ فإن الأمر يظل محصوراً في نطاقه الشخصي المحض… ؛ فكون فلان ثقة عندك، هذا شأن يخصك وحدك، ولك أن تعمل بنقله أو رأيه أو مشورته في دائرة علاقاتك الخاصة فحسب… ؛ أما أن يكون “ثقتك” و”رجلك” سبباً في إصدار الأحكام وسن القوانين واتخاذ الإجراءات العامة والبت في الشؤون الوطنية والدينية والاجتماعية الخطيرة والفصل في القضايا السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية، فهذا أمر تضحك له الثكلى.
فالحقيقة أن الثقة، بوصفها قيمة أخلاقية، مطلوبة في العلاقات الشخصية والإنسانية المحدودة… ؛ لكن الكارثة تبدأ حين تنتقل هذه العقلية من المجال الشخصي إلى إدارة الدول والمؤسسات والمجتمعات… ؛ فإدارة الدولة ليست جلسة عائلية، وليست حلقة حزبية أو دينية مغلقة، وليست تنظيمًا سريًا صغيرًا.
*العالم اليوم ليس عالم الأمس
إن العالم اليوم ليس عالم القرون الماضية، حيث كانت الدولة تدار من الملك والوزير والحاجب وقائد الجيش. اليوم، تُدار الدول عبر مؤسسات عملاقة، ودوائر قرار معقدة، ومراكز استشارة عالية، ولا علاقة لهذا بمشاعرك الشخصية وتقييمك لكون الشخص “ثقة” وفق منظورك الخاص والضيق .
الدولة الحديثة تُدار بالخبرات، والعقول، والتخصصات، والمؤسسات العملاقة، ومراكز الدراسات، والبيانات، والعلوم، والخطط الدقيقة.
اليوم توجد علوم كاملة للإدارة والاقتصاد والاستراتيجية والأمن والعلاقات الدولية والهندسة والمال والتكنولوجيا.
ولا علاقة لهذه العلوم بمشاعرك الشخصية تجاه فلان، ولا بكونه “ثقة” وفق منظورك الحزبي والديني او مشاعرك الشخصية .
*استعارة السفينة: حين تصبح الثقة بلا خبرة وبالاً
دعونا نضرب مثلاً بسيطاً يقرب الصورة: هب أننا صعدنا على متن سفينة، وفي عرض البحر تعالت الأمواج وهبت الأعاصير وأصبح الجو خطراً، وصار الموت قاب قوسين أو أدنى من الركاب… ؛ وكان في السفينة رجل “ثقة” لكنه لا يفقه في شؤون البحر والإبحار شيئاً، وآخر خبير وقبطان ماهر لكننا “لا نثق به” أو لا نعرفه أو ليس ثقة وفق معاييرنا الشخصية.
فهل نسلم دفة القيادة للثقة الجاهل ونطرد القبطان الماهر بحجة أنه ليس ثقة؟!
إن فعلنا هذا فالسفينة ستغرق ولا محالة، وسنهلك جميعاً… ؛ أما إن سلمنا السفينة لربانها الماهر، فسنسلم جميعاً وتنجو السفينة من الغرق… ؛ هكذا هو الشأن في إدارة الدول تماماً، فالخبرة وحدها هي سفينة النجاة.
*الحكمة الشعبية : شواهد على أولوية الخبرة
لقد أكدت الأمثال الشعبية والحكم المتوارثة على ضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص، فقالوا: “أعطي الخبز لخبازته”، وهي حكمة بالغة الدلالة… ؛ ومما ورد عن أحد رجال الدين الواعين قوله: “ما كلمني ذو اختصاص إلا وغلبني”، اعترافاً منه بحدود المعرفة الفردية وبأهمية التخصص العلمي الدقيق.
نعم , هذه العبارة تختصر احترام العقل للتخصص، وإدراك الإنسان العاقل لحدود معرفته.
*الخبرة لغة يفهمها الخبراء فقط
وفي هذا السياق، نقل إليّ أحد الأصدقاء، وكان محاسباً مالياً في إحدى الدوائر الحكومية، أن مجموعة دينية جاءته تهدده وتضغط عليه كي يطلعهم على حسابات وإحصاءات معينة… ؛ فأخذ يكلمهم ويشرح لهم بلغة الرياضيات المعقدة التي لم يفهموا منها شيئاً، فخرجوا بخفي حنين… ؛ لكنهم قالوا له قبل انصرافهم: “سنأتي بخبير إليك مرة أخرى”، إلا أنهم لم يعودوا إليه قط، بسبب جهلهم المطبق الذي حال بينهم وبين إدراك ما يريدون.
الشاهد هنا أن الدول والحكومات والشركات الكبرى إنما تدار بالخبرة والمعرفة العلمية، ولا علاقة للثقة -بمفهومها الشخصي الضيق- بمختبر الكيمياء، أو الحسابات الرياضية المالية المعقدة، أو الخطط العسكرية الدقيقة… ؛ الحكومة تحتاج إلى خبراء متخصصين، ولا تحتاج إلى “ثقات” بالمفهوم الكلاسيكي المتداول وسط هذه الحركات والفصائل والأحزاب.
*الدائرة الضيقة: عندما يصبح “الحاجب” صانع قرار
والمشكلة تتفاقم حين يكون لدى هؤلاء القادة والساسة والزعماء دائرة ضيقة من المقربين، يعملون بكل طاقتهم على إبعاد الناس عن تلك الشخصيات النافذة، فيمثلون دور “الحاجب” أو الحائط الذي يحجب الرؤية.
إنهم بمثابة العيون للقائد، والآذان للسياسي ورجل الدين، وعليه هم “الثقة” بما أنهم المقربون، وكل ما عداهم لا يدخل في دائرة الثقة، حتى لو كان أتقى الأتقياء وأنبل الكرماء. وهذه الدائرة الضيقة -أو ما يعبّر عنه بـ”الثقة”- بيدها مقاليد الأمور، فباستطاعتها أن تصفك بأي صفة شاءت، ما دام القادة والساسة ورجال الدين سمّاعين لها باعتبارها “الثقة”… ؛ فالقول قولهم، والمشورة مشورتهم، وإذا قالت حذام فصدقوها، فالقول ما قالت حذام.
نعم , إن أخطر ما في ثقافة “الثقات” أنها تخلق طبقة مغلقة من المنتفعين والمقربين، تتحول مع الزمن إلى جدار عازل بين القائد والواقع.
فهؤلاء يصبحون عيون السياسي وآذانه، ويحتكرون نقل المعلومات، وتفسير الأحداث، وتقييم الأشخاص , كما اسلفنا .
ومن هنا يبدأ التزييف.
فكل من يخرج عن دائرتهم يُتهم، أو يُقصى، أو يُشوَّه، حتى لو كان من أكفأ الناس وأنزههم.
أما هم، فيتحولون إلى أوصياء على الدولة والمجتمع والدين ، فقط لأنهم “المقربون”.
وهكذا يصبح مصير ملايين البشر معلقًا بمزاج دائرة ضيقة من الأشخاص، قد يكون بعضهم جاهلًا، أو مؤدلجًا، أو متعصبًا، أو محدود التفكير.
تصور أن دولة يسكنها أكثر من أربعين مليون إنسان تُدار فعليًا بعقلية مجموعة صغيرة من “الثقات”، لا بعقول الخبراء والمتخصصين.
تصور أن وزارة للصحة يقودها من لا يفهم الطب، أو مؤسسة اقتصادية يتحكم بها من يجهل الحسابات المالية، أو جهازًا أمنيًا يدار بعقلية الولاء لا الكفاءة.
إنها ليست مجرد مشكلة إدارية، بل أزمة نفسية واجتماعية عميقة.
فالمجتمعات التي تقدّم الولاء على الكفاءة تتحول تدريجيًا إلى مجتمعات خائفة من العقل، مرتابة من الخبرة، معادية للتخصص، تميل إلى التبسيط والشعارات والانغلاق.
ولهذا نرى كثيرًا من أصحاب الخبرات يُهمَّشون أو يُحاربون، لا لأنهم فاشلون، بل لأن وجودهم يكشف هشاشة الجهلة والمتسلقين.
*ثنائية الوهم وضيق الأفق: حين تُختزل الحياة بين الأبيض والأسود
إنّ معضلة المؤدلجين والمتعصبين وضيقي الأفق لا تكمن فقط في تشددهم الفكري، بل في الطريقة التي يبنون بها رؤيتهم للعالم؛ فهم ينطلقون من فرضيات متخيلة لا تمتّ إلى الواقع المركب بصلة، ثم يطالبون الآخرين بالتسليم بها وكأنها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش.
إنهم يرسمون للحياة خيارين لا ثالث لهما، ويحوّلون الوجود الإنساني بكل تعقيداته إلى معادلة بدائية تقوم على الثنائيات الحادة: أبيض أو أسود، وطني أو خائن، مؤمن أو عدو، ثقة أو خبرة.
وهنا تكمن المغالطة الجوهرية في خطابهم؛ إذ يفترضون ــ بصورة قسرية ــ وجود تناقض حتمي بين مفاهيم لا تناقض بينها أصلًا… ؛ فهم يتعاملون مع “الثقة” و”الخبرة” باعتبارهما نقيضين متصارعين، وكأن الإنسان الخبير لا يمكن أن يكون محل ثقة، أو أن صاحب الثقة لا بد أن يكون جاهلًا وعديم الكفاءة… ؛ فتتحول المعادلة في وعيهم إلى صيغة عبثية تقول:
“أهل الثقة جهلة، وأهل الخبرة خونة”.
وهذا ليس مجرد خطأ فكري عابر، بل هو انعكاس لبنية نفسية واجتماعية مأزومة تخشى التعقيد وتخاف من الأسئلة المفتوحة… ؛ فالعقل المؤدلج بطبيعته يميل إلى التبسيط القاسي، لأنه غير قادر على التعايش مع المنطقة الرمادية، تلك المنطقة التي تتعايش فيها الاحتمالات وتتقاطع فيها الحقائق والمصالح والدوافع الإنسانية.
الإنسان المتعصب يشعر بالأمان حين يقسم العالم إلى معسكرين متقابلين؛ لأن هذا التقسيم يمنحه يقينًا نفسيًا زائفًا ويعفيه من عناء التفكير النقدي والتحليل العميق.
ومن الناحية الاجتماعية، تنتج هذه الذهنية مجتمعات مأزومة تُقصي الكفاءات وتكافئ الولاءات الضيقة… ؛ ففي كثير من البيئات السياسية والثقافية، جرى تصوير الخبير والمثقف وصاحب الكفاءة بوصفه شخصًا “مشبوهًا” أو “منفصلًا عن الجماعة”، بينما يُمنح الولاء الأعمى قيمة أعلى من المعرفة والخبرة.
وهكذا تتراجع المؤسسات، وتُدار الدول بعقلية الانتماء لا بعقلية الكفاءة، فتتحول الثقة إلى أداة احتكار وإقصاء بدل أن تكون عنصرًا مكملًا للخبرة.
أما سياسيًا، فإن هذه الثنائية الزائفة كانت وما تزال من أخطر أدوات الأنظمة الأيديولوجية والشمولية… ؛ فالسلطات المؤدلجة لا تريد مواطنًا يفكر، بل فردًا يطيع… ؛ لذلك يجري دائمًا خلق صراع وهمي بين الوطنية وبين الانتماءات الأخرى، سواء كانت قومية أو دينية أو إنسانية، وكأن حب الوطن يتناقض تلقائيًا مع الانتماء العربي أو الإسلامي أو الإنساني… ؛ بينما الحقيقة أن الهوية الإنسانية بطبيعتها متعددة ومتداخلة، وليست سجنًا مغلقًا ذا باب واحد.
فالإنسان يمكن أن يكون وطنيًا مخلصًا لوطنه، وفي الوقت نفسه عربيًا في ثقافته، أو مسلمًا في عقيدته، أو منفتحًا إنسانيًا على العالم، دون أن يلغي أحد هذه الانتماءات الآخر… ؛ لكن العقل المؤدلج لا يفهم التعدد؛ لأنه قائم أصلًا على الإقصاء، ويرى في أي تنوع تهديدًا مباشرًا لسلطته الفكرية.
إن الحياة أكثر تعقيدًا من هذه التصنيفات الساذجة… ؛ فكما أن المعادلة الرياضية قد تُحل بأكثر من طريقة، كذلك مشكلات الواقع لا تُختزل في خيارين جامدين.
ليست الحقيقة خطًا مستقيمًا دائمًا، وليست الحكمة حكرًا على طرف واحد… ؛ وفي كثير من الأحيان، تكون النجاة في المساحات الوسطى التي يحتقرها المتطرفون، لأن تلك المساحات تتطلب عقلًا مرنًا قادرًا على الفهم لا مجرد التلقين.
ولهذا فإن أخطر ما يفعله التعصب ليس فقط تشويه الأفكار، بل تشويه قدرة الإنسان على التفكير نفسه… ؛ إنه يحوّل العقل من أداة بحث واكتشاف إلى أداة دفاع أعمى عن قناعات مسبقة، ويجعل الإنسان أسيرًا لشعارات جامدة بدل أن يكون شريكًا في صناعة الحقيقة.
إن المجتمعات التي تنهض فعلًا ليست تلك التي تختار بين “الثقة” و”الخبرة”، بل تلك التي تعرف كيف تجمع بينهما… ؛ وليست المجتمعات العاقلة هي التي تؤمن بالثنائيات الحادة، بل التي تدرك أن الواقع أكثر رحابة وتعقيدًا من كل القوالب الأيديولوجية المغلقة.
*إفلاس الأيديولوجيا حين تعادي العقل والكفاءة
ألا يخجل هؤلاء بعد كل عقود الخطابات والشعارات والادعاءات الثورية والدينية والثقافية، من حقيقة أنهم فشلوا في صناعة جيلٍ واحد يجمع بين الثقة والخبرة؟
أليس هذا الفشل وحده كافيًا لإدانة مشاريعهم الفكرية والسياسية والأخلاقية؟
فما الذي كانوا يفعلونه طوال سنوات “النضال” و”التعبئة” و”التبليغ” و”التثقيف”؟
وما جدوى الحركات والأحزاب والتيارات التي تنفق أعمارها في السيطرة على الجماهير، ثم تعجز عن إنتاج إنسان متوازن يمتلك الكفاءة والنزاهة معًا، والعقل والانتماء معًا، والخبرة والولاء الوطني معًا؟
إن الأزمة هنا ليست أزمة أفراد، بل أزمة بنية فكرية كاملة… ؛ فالكثير من الأيديولوجيات المغلقة لم تكن تريد إنسانًا حرًّا وواعيًا أصلًا، بل كانت تبحث عن تابعٍ مطيع، يردد الشعارات أكثر مما يفكر، ويحفظ النصوص أكثر مما يفهم الواقع… ؛ ولهذا السبب كانت تنظر دائمًا بعين الريبة إلى الخبير والمثقف وصاحب الاختصاص؛ لأن الإنسان الخبير يصعب تدجينه، والعقل النقدي لا يخضع بسهولة لسلطة الزعيم أو الشيخ أو الحزب أو الجماعة.
ومن الناحية النفسية، فإن الجماعات المؤدلجة تخشى الكفاءة الحقيقية؛ لأن الكفاءة تفضح هشاشتها الداخلية… ؛ فالخبير يطالب بالدليل، والمثقف يطرح الأسئلة، وصاحب التجربة يكشف التناقضات، بينما تقوم الأنظمة العقائدية المغلقة على الطاعة والانفعال العاطفي لا على التفكير النقدي… ؛ لذلك نجدها تميل تدريجيًا إلى استبدال أهل المعرفة بأهل الولاء، وأصحاب الكفاءة بالمصفقين والانتهازيين.
وهنا تبدأ الكارثة الاجتماعية والسياسية؛ إذ تتحول المؤسسات إلى بيئات طاردة للعقول، جاذبة للسطحيين والمنافقين وعديمي الكفاءة… ؛ فلا يبقى في محيط تلك الحركات والاحزاب والجماعات إلا نوعان من الناس:
إما جاهلٌ بسيط يصدق كل ما يُقال له دون تمحيص،
أو انتهازيٌ يدرك الخلل لكنه يستفيد منه.
ولهذا نرى كثيرًا من المشاريع السياسية أو الدينية التي رفعت شعارات “النهضة” و”الإصلاح” و”التحرير” انتهت عمليًا إلى إنتاج أجيال مشوهة الوعي، ضعيفة التفكير، عاجزة عن إدارة الدولة والمجتمع، لأنها ربت أتباعها على الطاعة لا على الإبداع، وعلى التقديس لا على النقد، وعلى الانغلاق لا على المعرفة.
فلا خير فعلًا في أحزابٍ تستعدي الخبراء، ولا في حركاتٍ دينية تخاف من العقل، ولا في جماعاتٍ لا يجتمع حولها إلا الجهلة والبلهاء والمهووسون بالشعارات… ؛ لأن أي مشروع يعادي الكفاءة محكوم عليه في النهاية بالتحلل والانهيار، مهما رفع من رايات مقدسة أو شعارات براقة.
إن المجتمعات الحية لا تُبنى بالعواطف وحدها، ولا بالولاءات الضيقة، بل ببناء الإنسان القادر على الجمع بين الأخلاق والمعرفة، بين الانتماء والعقل، بين الثقة والخبرة… ؛ أما الذين قضوا أعمارهم في صناعة أتباع بلا وعي، ثم يتساءلون لماذا انهارت أوطانهم ومؤسساتهم، فهم في الحقيقة ضحايا الأوهام التي صنعوها بأيديهم قبل أن يكونوا ضحايا خصومهم.
*الخاتمة: بين الغراب والخراب
تصوروا معي للحظة أن يكون مصير أربعين مليون مواطن محصوراً بمشورة اثني عشر رجلاً من “الثقات” -أو الأغبياء، أو المؤدلجين، أو المنغلقين، أو المتعصبين- أياً كانت تسميتهم. تصوروا وزارات تقاد من “ثقات” لا يفقهون في تخصصاتها شيئاً، ودوائر مهنية وعلمية تدار من رجال حزبيين لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بتلك الاختصاصات.
ولنا في التاريخ عبرة، فحين يكون الغراب دليل قوم، فإنه لا محالة سيقودهم إلى دار الخراب… ؛ وإن آن الأوان لمراجعة جذرية لهذه الذهنية التي تعيق نهضة المجتمعات العربية والإسلامية، وتكرس التخلف المؤسسي، وتحول دون بلوغ شواطئ النجاة في عالم لا مكان فيه إلا لأهل العلم والخبرة والاختصاص… ؛ أما تحويل مؤسسات الدولة إلى غنائم حزبية، وإسناد المناصب الحساسة إلى “الثقات” بدل المختصين، فهو وصفة مؤكدة للفشل والانهيار.
فالأوطان لا تنجو بكثرة المصفقين، بل بحضور العقول الحرة والخبرات الحقيقية.
والدولة التي تُقصي أهل المعرفة لصالح أهل الولاء، إنما تحفر قبرها بيدها، ولو رفعت ألف شعار عن الفضيلة والثقة والانتماء.