ديكستر العراقي!!

ديكستر العراقي!!

بقلم / مهند سري
لم تكن الكهرباء كافية لتمنح الغرفة نوراً حقيقياً.
فقط شاشة التلفاز كانت تفتح جرحاً أزرق صغيراً في العتمة، فيما تصاعد دخان سيجارة أحمد ببطء كأنه جزء من الليل نفسه.
على الشاشة، كان “ديكستر” يرتب أدواته المعدنية بطمأنينة جراح.
بلاستيك شفاف، شريط لاصق، سكين لامعة، ووجه بارد لرجل يؤمن أن القتل قد يكون شكلاً من أشكال العدالة.
ما سر تعاطفي معه؟ لماذا أخشى افتضاح أمره، بل أعيش نشوة انتصاره كلما اقترب أحد من اكتشاف حقيقته قبل أن يودعه في قبضة العدالة؟
أفكار راودت أحمد حتى انتزعته من متابعة التفاصيل.
لم يعد يشاهد أحداث مسلسله الأثير… بل ينظرعبره فقط.
خارج النافذة، تعوي المولدات الأهلية بصوت متعب، فيما كانت بغداد تجر ليلها الثقيل من شارع إلى آخر.
سيارات مسرعة، نباح متقطع، وصفير رصاص بعيد لا يعرف أحد إن كان حقيقياً أم مجرد ذاكرة.
سحب نفساً طويلاً من سيجارته.
ثم بدأت الوجوه تظهر.
وجوه رجال يرتدون بدلات أنيقة ويتحدثون عن الوطن، فيما الوطن يتآكل تحت أقدامهم.
وجوه سماسرة، ولصوص، وخطباء يبيعون الخراب بعبارات مقدسة.
تذكّر المدارس المتشققة، المرضى الممددين في الممرات، والخريجين الذين صاروا أكبر من أحلامهم وهم ينتظرون وظيفة لا تأتي.
ابتسم “ديكستر” على الشاشة.
ولسبب ما، شعر أحمد أن تلك الابتسامة موجهة إليه وحده.
راودته الفكرة فجأة، كطلقة خرجت من العتمة:
ماذا لو وجد هنا أيضاً؟
في بغداد.
في هذه المدينة التي يهرب فيها القتلة من العدالة بأرتال الحمايات.
شخص لا يخاف أحداً.
يخرج ليلاً، ويعيد الحسابات بيده.
شعر براحة خفيفة تسري داخله، راحة مخجلة تشبه التمني السري بالخلاص مهما كان شكله.
لكن الفكرة نفسها بدأت تتعفن بسرعة.
تذكّر جثة الشاب التي رآها قبل أسبوع قرب السوق.
قالوا إن الرصاص أخطأ هدفه.
في العراق، الرصاص دائماً “يخطئ هدفه” ويصيب الأبرياء.
هنا، لا يبقى الوحش بطلاً طويلاً.
هنا، كل سكين تبحث سريعاً عن رقبة جديدة، وكل عدالة شخصية تتحول إلى مذبحة عامة.
أدرك فجأة أن “ديكستر العراقي” لن يصطاد الفاسدين فقط.
سيظهر ألف رجل يرتدون قناعه.
أحزاب، عشائر، ميليشيات، قتلة صغار، ومخبرون سريون… الجميع سيجد مبرراً مثالياً للقتل.
وسيصبح الدم، مرة أخرى، أرخص من الكلام.
مد يده ببطء وأطفأ التلفاز.
اختفى وجه ديكستر، وعادت الغرفة إلى عتمتها الأولى.
جلس أحمد بصمت، شاعراً أن البلاد التي فشلت في صناعة قانون عادل، لن تنجو أبداً إذا حاولت استعارة العدالة من يد قاتل.
في الخارج، استمرت بغداد في السهر.
مدينة تعرف، أكثر من غيرها، أن الوحوش لا تأتي دائماً من الغابات… أحياناً تخرج من أمنيات الناس أنفسهم.