مواطن من كوكب مؤجَّل

مواطن من كوكب مؤجَّل

بقلم / مهند سري
حين دخل الأستاذ قاعة المحاضرات، انتبه الجميع إلا هو.
كان جالساً في المقعد الأخير، محدقاً في السبورة بعينين ثابتتين، حتى ليخيَّل للناظر أنه أكثر الطلاب اهتماماً بالمحاضرة.
وبين حين وآخر، كان يهز رأسه ببطء، كمن فهم لتوه سراً عظيماً في الفيزياء.
لكن الحقيقة أن شيئاً واحداً فقط كان يشغله:
كيف ينجو من حياته؟
منذ سنوات، اكتشف موهبة نادرة؛ يستطيع أن يغادر الواقع من دون أن يتحرك من مكانه.
يكفي أن يثبت عينيه في نقطة بعيدة، حتى تبدأ الجدران بالتلاشي.
في البداية، كان الأمر بسيطاً.
مصباح علاء الدين مثلاً.
كم ليلة أمضاها وهو يتخيل المارد خارجاً من الدخان، يسأله بخشوع: شبيك لبيك؟
ولم يكن يطلب الكثير لنفسه.
فقط بيتاً لأمه، علاجاً لوالده، عملاً يليق بأخيه، وحذاء جديداً لأخته التي كانت تخفي إصبع قدمها الممزق كلما خرجت إلى المدرسة.
ثم تطورت أحلامه قليلاً.
صار يتخيل “طاقية إخفاء”.
يدخل بها إلى بيوت المسؤولين، يفتح الخزائن الثقيلة، ويسحب الأموال بهدوء، ثم يوزعها قبل الفجر بين بيوت الفقراء.
وكان يشعر، للمفارقة، أنه يؤدي واجباً أخلاقياً.
لاحقاً، ومع تطور التكنولوجيا، صار أكثر حداثة في أحلامه.
اخترع برنامجاً إلكترونياً خارقاً، لا يسرق البنوك حتى لا يُتهم موظف صغير، بل يتصل مباشرة بمطابع العملات في العالم.
ضغطة زر واحدة فقط، وتبدأ ملايين الدولارات بالتدفق نحوه كالمطر.
ابتسم.
انتبه زميله إلى ابتسامته، فظن أن المعادلة راقته.
في الحقيقة، كان وقتها يشتري بناية كاملة في خياله.
استمرت المحاضرة.
الطلاب يكتبون، والأستاذ يشرح، والمراوح القديمة تدور بسأم فوق الرؤوس، بينما كان هو يغوص أبعد فأبعد داخل نفسه.
رأى هذه المرة كوكباً آخر.
كوكباً نظيفاً لا فاسدين فيه، ولا طوابير، ولا وجوه متغطرسة تعبر بسيارات سوداء قرب أطفال الحاويات.
هناك، لن يحتاج إلى اختراع معجزات صغيرة كي يعيش.
هناك، لن يشعر بالإهانة كلما فتح ثلاجتهم الفارغة.
هناك، لن تضطر أمه إلى الاعتذار من البقال آخر الشهر.
سمع صوت الأستاذ فجأة:
– أنت… في آخر الصف.
انتفض قليلاً.
التفتت الوجوه نحوه.
قال الأستاذ ببرود: منذ بداية السنة وأنت تحدق هكذا.
أخبرني… أين تذهب كل هذا الوقت؟
ساد الصمت.
نظر إلى السبورة، ثم إلى النافذة.
كانت السماء بعيدة جداً.
أخفض رأسه قليلاً، وقال بصوت خافت: أبحث عن كوكب يمكن للفقير أن يعيش فيه من دون أن يحلم كثيراً.
ضحك بعض الطلاب.
حتى الأستاذ ابتسم ساخراً، ثم عاد إلى الشرح كأن شيئاً لم يكن.
أما هو، فعاد يحدق عبر النافذة.
هذه المرة، لم يكن يفكر في مصباح سحري، ولا طاقية إخفاء، ولا ملايين الدولارات.
كان يفكر بشيء واحد فقط:
كيف يصل إلى ذلك الكوكب…
قبل أن يكبر اليأس داخله أكثر من اللازم.