د. فاضل حسن شريف
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل ” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة 217) “يسألونك” (البقرة 217) يا محمد والسائلون أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام عن الحسن وأكثر المفسرين وقيل السائلون أهل الإسلام سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه “عن الشهر الحرام قتال فيه” (البقرة 217) يعني عن قتال في الشهر الحرام وهو رجب سمي بذلك لتحريم القتال فيه ولعظم حرمته ولذلك كان يسمى في الجاهلية (منزع الأسنة ومنصل الألّ) لأنهم كانوا ينزعون الأسنة والنصال عند دخول رجب انطواء على ترك القتال فيه وكان يدعى الأصم لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح فنسب الصمم إليه كما قيل ليل نائم وسر كاتم فكان الناس لا يخاف بعضهم بعضا وتأمن السبل إلى أن ينقضي الشهر. “قل” يا محمد “قتال فيه” (البقرة 217) أي في الشهر الحرام “كبير” أي ذنب عظيم ثم استأنفه وقال “وصد عن سبيل الله وكفر به” أي والصد عن سبيل الله والكفر بالله “والمسجد الحرام” أي والصد عن المسجد الحرام وعلى القول الآخر معناه يسألونك عن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام وقيل معناه والكفر والمسجد الحرام عن الجبائي فحمله عن الباء في قوله “وكفر به” “وإخراج أهله” (البقرة 217) يعني أهل المسجد وهم المسلمون و”منه” أي من المسجد “أكبر” أي أعظم وزرا “عند الله” يعني إخراجهم المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة والظاهر يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما لقوله “قل قتال فيه كبير” وذلك لا يقال إلا فيما هو محرم محظور وقيل أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عقل ابن الحضرمي.
كلمة شهر وردت في عدد من الآيات المباركة قال الله سبحانه وتعالى “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ” ﴿البقرة 185﴾، و”فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ” ﴿البقرة 185﴾، و”الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ” ﴿البقرة 194﴾، و”الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ” ﴿البقرة 197﴾، و”يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ” ﴿البقرة 217﴾، و”لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ” ﴿٢٢٦ البقرة 226﴾، و”يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا” ﴿البقرة 234﴾، و”فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ” ﴿النساء 92﴾، و”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ” ﴿المائدة 2﴾، و”جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ” ﴿المائدة 97﴾، و”فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ” ﴿التوبة 2﴾، و”فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ” ﴿التوبة 5﴾، و”إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ” ﴿التوبة 36﴾، و”إحَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا” ﴿الأحقاف 15﴾، و”فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا” و ﴿المجادلة 4﴾، إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ” و ﴿٤ الطلاق 4﴾، و”وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ” (سبأ 12)، و”لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” ﴿القدر 3﴾.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل ” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” (البقرة 217) “يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ” (البقرة 217). مر تفسير الآية في الآية 192 وما بعدها “فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)” (البقرة 192-194). “وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والْمَسْجِدِ الْحَرامِ وإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ”. كان العرب يحرمون القتال في الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وأقر النبي هذه العادة، لأن فيها تقليلا للشر وسفك الدماء، وقد أقر الإسلام بوجه عام كل عادة مستحسنة أو غير قبيحة كانوا عليها في الجاهلية، ولكن العرب الذين كانوا يقدسون هذه الأشهر قد انتهكوا حرمتها، وأعلنوا فيها الحرب على الرسول سنة ست من الهجرة، وصدوه مع أصحابه عن زيارة بيت اللَّه الحرام، وفتنوا من أسلم عن دينه، وعذبوه بشتى أنواع العذاب طوال ثلاثة عشر عاما، كما فعلوا ببلال وصهيب وخباب وعمار بن ياسر وأبيه وأمه، حتى إذا أراد المسلمون أن يدافعوا عن أنفسهم، أو يقتصوا من المشركين في الأشهر الحرم رفع هؤلاء عقيرتهم بالدعاية المضللة، وأظهروا المسلمين بمظهر المعتدي على المقدسات. فبيّن اللَّه سبحانه ان الجرائم التي ارتكبها المشركون في حق المسلمين هي أكبر وأعظم عند اللَّه من القتال في الشهر الحرام، ومن أجل هذا أباح للمسلمين قتال المشركين في أي مكان وزمان يجدونهم فيه عملا بمبدأ القصاص، والمعاملة بالمثل.
وسميت حرم لتحريم القتال فيها والاشهر الاخرى يحل فيها القتال”فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ” (التوبة 5) والا القصاص”الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ” (البقرة 194) ويشدد فيها الظلم” فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ” (التوبة 36). ففعل المحرم مثل الفتنة وترك الواجب يتضاعف في هذا الشهر”وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ” (البقرة 217).
قال الله تعالى “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ” (البقرة 158) جاء في صفحة فاضل شريف: ان ابراهيم عليه السلام مع ابنائه وزوجاته لهم علاقة بمنسك الحج واماكنه كالبيت الحرام و مقام ابراهيم وحجر اسماعيل والصفى والمروة ومنى وعرفات والمزدلفة ورمي الجمرات وبئر زمزم بالاضافة الى الأضحية والعيد وغيرها.
جاء في أعلام الورى: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله بن جحش الى نخلة وقال: كن بها حتّى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتاباً وقال: اخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر فيه وامض لما أمرتك فلمّا سار يومين وفتح الكتاب فاذا فيه: (أن امض حتّى تنزل نخلة فتأتينا بأخبار قريش بما يصل اليك منهم، فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعاً وطاعة من كان له رغبة في الشهادة فلينطلق معي فمضى معه القوم حتّى إذا نزلوا نخلة مرّ بهم عمرو بن الحضرميّ، والحكم بن كيسان وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله معهم تجارة قدموا بها من الطائف اُدم وزبيب فلمّا رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد حلق رأسه فقالوا عمّار ليس عليكم منهم بأس، وأئتمر أصحاب رسول الله وهي آخر يوم من رجب فقالوا: لئن قتلتموهم انكم لتقتلونهم في الشهر الحرام ولئن تركتموهم ليدخلنّ هذه اللّيلة مكّة فليمنعنّ منكم فأجمع القوم على قتلهم فرمى واقد بن عبد الله التميميّ عمرو بن الحضرميّ بسهم فقتله، و إستأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وهرب المغيرة بن عبد الله فأعجزهم واستاقوا العير فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم: والله ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام وأوقف الأسيرين والعير ولم يأخذ منها شيئاً وسقط في أيدي القوم وظنّوا أ نّهم قد هلكوا وقالت قريش: استحلّ محمّد الشهر الحرام فأنزل الله سبحانه: “يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه” (البقرة 217) فلمّا نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله العير وفداء الأسيرين وقال المسلمون نطمع لنا أن يكون غزاة فأنزل الله فيهم: “إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا” (البقرة 218).