ضابط التوجيه السياسي

طالب كاظم

غادرت الثانوية لأني لم أتورط بقبح الاندساس في الاتحاد الوطني للطلبة.

هناك اتهمني رئيس اللجنة الاتحادية فيصل بأني مزقت جريدة الثورة المثبتة على جدار الممر حين يغادر الطلاب صفوفهم أو يدخلون إليها فتطالعهم بقبحها الثوري المزيف. فغادرت الثانوية قبل أن أتعرض للتنكيل. اذ انتقلت إلى ثانوية مسائية فالتقيت هناك برفاق أسن مني عمراً وحكمة، فرافقتهم وتعلمت برفقتهم دخول الحانات. غادرت طفولتي مبكراً حين تعلمت كيف أمزج العرق بالماء حتى احترفت السكر في حانة سرجون.

كيف لي أن أتصور نفسي وقد صرت بعثياً؟ لست أكثر من بغل يحمل أمتعة السلطة الفاسدة. فتبعثر أمل التلميذ المجتهد الألمعي متقد الذهن الرسام والنحات وكاتب القصة، بات يعرف أي الأوقات أنسب لتناول العرق لكي يتخلص من عقابيل صداع ما بعد السكر. لأني غر بلا معونة أو مرشد، ولأني أفضل التشرد على أن أنتمي للفكر القومي الاشتراكي، غادرت الثانوية وعملت فراناً. أدوف الطحين بقبضتي فيأكل الجنود المبكرون بالذهاب إلى ثكناتهم والعمال إلى مصانعهم من تحت يدي صموناً حاراً.

معبد باخوس الاسم الذي أطلقته على الفرن الذي أعمل فيه، حيث أصدقائي الغر يتناولون معي معمودية كأس العرق الأول تحت سقفه.

يتذكرني صديقي ضياء وآخرون باتوا يخرون ساجدين لله بعد أن مضى بهم العمر فهم على أعتاب السبعين.

فتلقفتني العسكرية عام 1978 وهناك وبسبب من حقيبتي السميكة التي تخلو من حاجيات الجندي إلا من رواية أو اثنتين وعدة الحلاقة وفرشاة لفرد رغوة الصابون على وجهي، هناك استوقفني ضابط التوجيه السياسي الملازم الغر ابن العاهرة: لماذا لا تنتمي للحزب؟

أنا مستقل يا سيدي وسأظل كذلك.

لا، لست مستقلاً لأنك شيوعي وسأعدمك هنا.

هذا عنواني يمكنك الاستفسار وتستطيع إعدامي إذا تبين لك بأني شيوعي.

كنت في حينها أمضي خدمتي الإلزامية في مقر لمش 111 حدود في الشيخان منتصف عام 1978. كنت فتياً جداً ولا أعرف سوى الطريق إلى منزل العائلة. تعرضت للاضطهاد اليومي، فواجب الحراسة يكون في أسوأ وقت حيث الجميع يغطون في النوم بينما تبدأ نوبتي الأبدية في نقطة الحراسة التي تشرف على الوادي من الساعة الثانية صباحاً حتى الرابعة، بينما الاستيقاظ يكون في الساعة السادسة، فينتهز فرصته ابن الزانية أني أغفو أثناء التدريب بسبب قلة النوم فأتعرض للعقوبة الانضباطية؛ أزحف على ركبتي حتى تدمى أو أهرول حاملاً السلاح فوق رأسي.. فكرت بقتله، أن أفرغ شاجوراً في رأسه حيث ينام في المقر.. كيف لي أن أقتنع وأصير بعثياً حقيراً كهذا الكلب ضابط التوجيه السياسي ابن العاهرة؟

حين اقتربت إجازتي الدورية -نحن الجنود نمضي ثلاثين يوماً نمنح بعدها إجازة لمدة عشرة أيام- اتهمني بالتقصير بالواجب وعدم احترام المافوق وبأني كنت متزلفاً أي طويل الشعر وبأني لم أؤدِّ له التحية العسكرية. فمثلت مذنباً أمام آمر اللواء العقيد الركن طلعت نوري علي فأخبرته بالسبب بينما رئيس عرفاء الوحدة يحاول إسكاتي، فالجيش بؤرة لتفشي النذالة والحقارة. قال آمر اللواء وهو يقلب صفحات كراس العقوبات العسكرية: لعدم أدائه التحية ثلاثة أيام سجن، لتزلفه ثلاثة أيام سجن، لنومه أثناء التدريب ثلاثة أيام سجن، لإهماله الواجب ثلاثة أيام سجن، لعدم احترامه المافوق ثلاثة أيام سجن.

صرخ بوجهي رئيس عرفاء الوحدة: هل فهمت؟

قلت: نعم.

قال: احترم!

انتصبت متأهبا بالاستعداد وأنا الجندي الذي جرد من نطاقه وبيريته، أودعت الحبس في سجن الوحدة في ليلة استحقاقي الإجازة الدورية. مضى علي خمسة وأربعون يوماً عند حدود أتروش. بعد أن أنهيت عقوبة السجن رأيت آمر اللواء جالساً في مقره حيث القلعة المحصنة التي تشرف على الطريق الصاعد إلى أتروش. أديت له التحية وأخبرته بأن ضابط التوجيه السياسي الملازم عبد الله يهددني بالإعدام لأني شيوعي. نظر إلي يتفحصني بنظراته وكان ضابطاً متفهماً من القومية التركمانية، فأصدر أمراً بنقلي إلى الفوج الثاني الذي يسيطر على قاطع زاويته وتحت إمرة لمش الاحتياط 93. وتلك قصة أخرى.

بعد نهاية الحرب عام 1990، كنت في عمل خاص في مصرف الرشيد، شعرت بأن شخصاً ما يحدق بي كأنه يحاول التذكر، فتطلعت بوجهه فكان هو الملازم عبد الله ابن العاهرة وكان برتبة عقيد ركن جالساً. نظرت في عينيه للحظة، ثم غادرته.