أهمية العلم والقوة في الحكم أو الملك في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” ﴿البقرة 247﴾ قوله تعالى: “وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث” ﴿البقرة 247﴾ إلى قوله: “من المال” ﴿البقرة 247﴾ في جوابه عليه السلام هذا حيث نسب بعث الملك إلى الله تنبيه بما فات منهم إذ قالوا لنبيهم ابعث لنا ملكا نقاتل ولم يقولوا: اسأل الله أن يبعث لنا ملكا ويكتب لنا القتال. وبالجملة التصريح باسم طالوت هو الذي أوجب منهم الاعتراض على ملكه وذلك لوجود صفتين فيه كانتا تنافيان عندهم الملك، وهما ما حكاهما الله تعالى من قولهم أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ومن المعلوم أن قولهم هذا لنبيهم، ولم يستدلوا على كونهم أحق بالملك منه بشيء يدل على أن دليله كان أمرا بينا لا يحتاج إلى الذكر، وليس إلا أن بيت النبوة وبيت الملك في بني إسرائيل وهما بيتان مفتخران بموهبة النبوة والملك كانتا غير البيت الذي كان منه طالوت، وبعبارة أخرى لم يكن طالوت من بيت الملك ولا من بيت النبوة ولذلك اعترضوا على ملكه “بأنى”، وهم أهل بيت الملك أو الملك والنبوة معا، أحق بالملك منه لأن الله جعل الملك فينا فكيف يقبل الانتقال إلى غيرنا، وهذا الكلام منهم من فروع قولهم بنفي البداء وعدم جواز النسخ والتغيير حيث قالوا: “يد الله مغلولة غلت أيديهم” (المائدة 64)، وقد أجاب عنه نبيهم بقوله: “إن الله اصطفاه عليكم”يد الله مغلولة غلت أيديهم يد الله مغلولة غلت أيديهم فهذه إحدى الصفتين المنافيتين للملك عندهم، والصفة الثانية ما في قولهم: “ولم يؤت سعة من المال” وقد كان طالوت فقيرا، وقد أجاب عنه نبيهم بقوله: “وزاده بسطة في العلم والجسم” ﴿البقرة 247﴾ “إلخ”.

قوله تعالى: “قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم” ﴿البقرة 247﴾، الاصطفاء والاستصفاء – الاختيار وأصله الصفو، و البسطة هي السعة والقدرة، وهذان جوابان عن اعتراضهم. أما اعتراضهم بكونهم أحق بالملك من طالوت لشرف بيتهم، فجوابه: أن هذه مزية كان الله سبحانه خص بيتهم بها وإذا اصطفى عليهم غيرهم كان أحق بالملك منهم، وكان الشرف والتقدم لبيته على بيوتهم ولشخصه على أشخاصهم، فإنما الفضل يتبع تفضيله تعالى. وأما اعتراضهم بأنه لم يؤت سعة من المال، فجوابه: أن الملك وهو استقرار السلطة على مجتمع من الناس حيث كان الغرض الوحيد منه أن يتلاءم الإرادات المتفرقة من الناس وتجتمع تحت إرادة واحدة وتتحد الأزمة باتصالها بزمام واحد فيسير بذلك كل فرد من أفراد المجتمع طريق كماله اللائق به فلا يزاحم بذلك فرد فردا، ولا يتقدم فرد من غير حق، ولا يتأخر فرد من غير حق. وبالجملة الغرض من الملك أن يدبر صاحبه المجتمع تدبيرا يوصل كل فرد من أفراده إلى كماله اللائق به، ويدفع كل ما يمانع ذلك، والذي يلزم وجوده في نيل هذا المطلوب أمران: أحدهما: العلم بجميع مصالح حياة الناس ومفاسدها، وثانيهما: القدرة الجسمية على إجراء ما يراه من مصالح المملكة، وهما اللذان يشير إليهما قوله تعالى: “وزاده بسطة في العلم والجسم” ﴿البقرة 247﴾، وأما سعة المال فعده من مقومات الملك من الجهل. ثم جمع الجميع تحت حجة واحدة ذكرها بقوله تعالى: “والله يؤتي ملكه من يشاء”، وهو أن الملك لله وحده ليس لأحد فيه نصيب إلا ما آتاه الله سبحانه منه وهو مع ذلك لله كما يفيده الإضافة في قوله تعالى، “يؤتي ملكه”، وإذا كان كذلك فله تعالى التصرف في ملكه كيف شاء وأراد، ليس لأحد أن يقول: لما ذا أو بما ذا أي أن يسأل عن علة التصرف لأن الله تعالى هو السبب المطلق، ولا عن متمم العلية وأداة الفعل لأن الله تعالى تام لا يحتاج إلى متمم فلا ينبغي السؤال عن نقل الملك من بيت إلى بيت، أو تقليده أحدا ليس له أسبابه الظاهرة من الجمع والمال.

ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي قائلا: والإيتاء والإفاضة الإلهية وإن كانت كيف شاء ولمن شاء غير أنها مع ذلك لا تقع جزافا خالية عن الحكم والمصالح، فإن المقصود من قولنا: إنه تعالى يفعل ما يشاء، ويؤتي الملك من يشاء ونظائر ذلك ليس أن الله سبحانه لا يراعي في فعله جانب المصلحة أو أنه يفعل فعلا فإن اتفق أن صادف المصلحة فقد صادف وإن لم يصادف فقد صار جزافا ولا محذور لأن الملك له فله أن يفعل ما يشاء هذا، فإن هذا مما يبطله الظواهر الدينية والبراهين العقلية. بل المقصود بذلك: أن الله سبحانه حيث ينتهي إليه كل خلق وأمر فالمصالح وجهات الخير مثل سائر الأشياء مخلوقة له تعالى، وإذا كان كذلك لم يكن الله سبحانه في فعله مقهورا لمصلحة من المصالح محكوما بحكمها، كما أننا في أفعالنا كذلك، فإذا فعل سبحانه فعلا أو خلق خلقا ولا يفعل إلا الجميل، ولا يخلق إلا الحسن كان فعله ذا مصلحة مرعيا فيه صلاح العباد غير أنه تعالى غير محكوم ولا مقهور للمصلحة. ومن هنا صح اجتماع هذا التعليل مع ما تقدمه، أعني اجتماع قوله تعالى: “والله يؤتي ملكه من يشاء” ﴿البقرة 247﴾، مع قوله تعالى: “إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم” ﴿البقرة 247﴾، فإن الحجة الأولى مشتملة على التعليل بالمصالح والأسباب، والحجة الثانية على إطلاق الملك الذي يفعل ما يشاء، ولولا أن إطلاق الملك وكونه تعالى يفعل ما يشاء لا ينافي كون أفعاله مقارنة للمصالح والحكم لم يصح الجمع بين الكلاميين فضلا عن تأييد أحدهما أو تتميمه بالآخر. وقد أوضح هذا المعنى أحسن الإيضاح تذييل الآية بقوله تعالى: “والله واسع عليم” ﴿البقرة 247﴾ فإن الواسع يدل على عدم ممنوعيته تعالى عن فعل وإيتاء أصلا والعليم يدل على أن فعله تعالى فعل يقع عن علم ثابت غير مخطئ فهو سبحانه يفعل كل ما يشاء ولا يفعل إلا فعلا ذا مصلحة. و- الوسعة والسعة – في الأصل حال في الجسم به يقبل أشياء أخر من حيث التمكن كسعة الإناء لما يصب فيه، والصندوق لما يوضع فيه، والدار لمن يحل فيها ثم استعير للغني ولكن لا كل غني ومن كل جهة، بل من جهة إمكان البذل معه كان المال يسع بذل ما أريد بذله وبهذا المعنى يطلق عليه سبحانه، فهو سبحانه واسع أي غني لا يعجزه بذل ما أراد بذله بل يقدر على ذلك.