د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله جل وعلا “فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾ قوله تعالى: “فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ” ﴿آل عمران 97﴾، الآيات وإن وصفت بالبينات، وأفاد ذلك تخصصا ما في الموصوف إلا أنها مع ذلك لا تخرج عن الإبهام، والمقام مقام بيان مزايا البيت ومفاخره التي بها يتقدم على غيره في الشرف ولا يناسب ذلك إلا الإتيان ببيان واضح، والوصف بما لا غبار عليه بالإبهام والإجمال، وهذا من الشواهد على كون قوله: “مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ” إلى آخر الآية بيانا لقوله: “آياتٌ بَيِّناتٌ” ﴿آل عمران 97﴾ فالآيات هي: مقام إبراهيم، وتقرير الأمن فيه، وإيجاب حجة على الناس المستطيعين. لكن لا كما يتراءى من بعض التفاسير من كون الجمل الثلاث بدلا أو عطف بيان من قوله: “آياتٌ” لوضوح أن ذلك يحتاج إلى رجوع الكلام بحسب التقدير إلى مثل قولنا: هي مقام إبراهيم، والأمن لمن دخله، وحجة لمن استطاع إليه سبيلا، وفي ذلك إرجاع قوله: ومن دخله، سواء كان إنشاء أو إخبارا إلى المفرد بتقدير أن وإرجاع قوله: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ” ﴿آل عمران 97﴾، وهي جملة إنشائية إلى الخبرية ثم عطفه على الجملة السابقة وتأويلها إلى المفرد بذلك أو بتقدير أن فيها أيضا، وكل ذلك مما لا يساعد عليه الكلام البتة. وإنما سيقت هذه الجمل الثلاث أعني قوله: “مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ” ﴿آل عمران 97﴾ “الخ”، كل لغرض خاص من إخبار أو إنشاء حكم ثم تتبين بها الآيات فتعطي فائدة البيان كما يقال: فلان رجل شريف هو ابن فلان ويقري الضيف ويجب علينا أن نتبعه.
قوله تعالى: “مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ” ﴿آل عمران 97﴾ مبتدأ لخبر محذوف والتقدير فيه مقام إبراهيم، وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد استفاض النقل بأن الحجر مدفون في المكان الذي يدعى اليوم بمقام إبراهيم على حافة المطاف حيال الملتزم، وقد أشار إليه أبو طالب عم النبي في قصيدته اللامية: وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة. على قدميه حافيا غير ناعل. وربما يفهم من قوله: “مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ” ﴿آل عمران 97﴾ أن البيت أو في البيت موضع قيام إبراهيم بعبادة الله سبحانه. ويمكن أن يكون تقدير الكلام: هي مقام إبراهيم والأمن والحج ثم وضع قوله: ومن دخله، وقوله: “وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ”، وهما جملتان مشتملتان على حكم إنشائي موضع الخبرين، وهذا من أعاجيب أسلوب القرآن حيث يستخدم الكلام المسوق لغرض في سبيل غرض آخر فيضعه موضعه لينتقل منه إليه فيفيد فائدتين، ويحفظ الجهتين كحكاية الكلام في موضع الإخبار كقوله: “كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ” (البقرة 285)، وكما مر في قوله تعالى “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ” (البقرة 258)، وقوله: “أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ” (البقرة 259)، وقد بينا النكتة في ذلك في تفسير الثانية، وكما في قوله تعالى: “يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء: 88-89)، وكما في قوله تعالى: “وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ” (البقرة 177)، حيث وضع صاحب البر، مكان البر، وكما في قوله تعالى: “وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ” (البقرة: 171) ومثله غالب الأمثال الواردة في القرآن الكريم. وعلى هذا فوزان قوله: “فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ” – إلى قوله – “عَنِ الْعالَمِينَ” في التردد بين الإنشاء والإخبار، وزان قوله: “وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ” (ص 41-44). وهذا الذي ذكرناه غير ما ذكره بعضهم من حديث البدلية، وإن كان بدلا ولا بد فالأولى جعل قوله: “مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ” ﴿آل عمران 97﴾ بدلا وجعل الجملتين التاليتين مستأنفتين دالتين على بدلين محذوفين. والتقدير”فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ” ﴿آل عمران 97﴾ وأمن الداخل وحج المستطيع للبيت.
ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي قائلا: ولا ريب في كون كل واحد من هذه الأمور آية بينة دالة بوقوعها على الله سبحانه مذكرة لمقامه إذ ليست الآية إلا العلامة الدالة على الشيء بوجه، وأي علامة دالة عليه تعالى مذكرة لمقامه أعظم وأجلى في نظر أهل الدنيا من موقف إبراهيم ومن حرم آمن يأمن من دخله ومن مناسك وعبادات يأتي بها الألوف بعد الألوف من الناس تتكرر بتكرر السنين، ولا تنسخ بانتساخ الليالي والأيام، وأما كون كل آية أمرا خارقا للعادة ناقضا لسنة الطبيعة فليس من الواجب، ولا لفظ الآية بمفهومه يدل عليه، ولا استعماله في القرآن ينحصر فيه. قال تعالى: “مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا” (البقرة 106)، وهي تشمل الأحكام المنسوخة في الشرع قطعا، وقال تعالى: “أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” (الشعراء 128)، إلى غير ذلك من الآيات. ومن هنا يظهر ما في إصرار بعض المفسرين على توجيه كون المقام آية خارقة، وكون الأمن والحج مذكورين لغير غرض بيان الآية. و كذا إصرار آخرين على أن المراد بالآيات البينات أمور أخر من خواص الكعبة وقد أغمضنا عن ذكرها، ومن أرادها فليراجع بعض مطولات التفاسير فإن ذلك مبني على كون المراد من الآيات الآيات المعجزة وخوارق العادة، ولا دليل على ذلك كما مر. فالحق أن قوله: “وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” ﴿آل عمران 97﴾: مسوق لبيان حكم تشريعي لا خاصة تكوينية غير أن الظاهر أن يكون الجملة إخبارية يخبر بها عن تشريع سابق للأمن كما ربما استفيد ذلك من دعوة إبراهيم المذكورة في سورتي إبراهيم والبقرة وقد كان هذا الحق محفوظا للبيت قبل البعثة بين عرب الجاهلية ويتصل بزمن إبراهيم عليه السلام. وأما كون المراد من حديث الأمن هو الإخبار بأن الفتن والحوادث العظام لا تقع ولا ينسحب ذيلها إلى الحرم فيدفعه وقوع ما وقع من الحروب والمقاتلات واختلال الأمن فيه، وخاصة ما وقع منها قبل نزول هذه الآية، وقوله تعالى “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ” (العنكبوت 67)، لا يدل على أزيد من استقرار الأمن واستمراره في الحرم، وليس ذلك إلا لما يراه الناس من حرمة هذا البيت ووجوب تعظيمه الثابت في شريعة إبراهيم عليه السلام وينتهي بالأخرة إلى جعله سبحانه وتشريعه.
وكذا ما وقع في دعاء إبراهيم المحكي في قوله تعالى: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا” (إبراهيم 35)، وقوله: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا” (البقرة 126)، حيث سأل الأمن لبلد مكة فأجابه الله بتشريع الأمن وسوق الناس سوقا قلبيا إلى تسليم ذلك وقبوله زمانا بعد زمان. قوله تعالى: “ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا” ﴿آل عمران 97﴾، الحج بالكسر وقرىء بالفتح هو القصد ثم اختص استعماله بقصد البيت على نهج مخصوص بينه الشرع، وقوله: “سَبِيلًا” تمييز من قوله: “اسْتَطاعَ” ﴿آل عمران 97﴾. والآية تتضمن تشريع الحج إمضاء لما شرع لإبراهيم عليه السلام كما يدل عليه قوله تعالى حكاية لما خوطب به إبراهيم: “وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ” (الحج 27)، ومن هنا يظهر أن وزان قوله: “ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ” ﴿آل عمران 97﴾ “الخ” وزان قوله تعالى: “وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا” ﴿آل عمران 97﴾ في كونه إخبارا عن تشريع سابق وإن كان من الممكن أن يكون إنشاء على نحو الإمضاء لكن الأظهر من السياق هو الأول كما لا يخفى. قوله تعالى: “ومَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهً غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ” ﴿آل عمران 97﴾، الكفر هاهنا من الكفر بالفروع نظير الكفر بترك الصلوة والزكوة فالمراد بالكفر الترك. والكلام من قبيل وضع المسبب أو الأثر مقام السبب أو المنشأ كما أن قوله: “فَإِنَّ اللَّهً غَنِيٌّ” “الخ” من قبيل وضع العلة موضع المعلول، والتقدير: ومن ترك الحج فلا يضر الله شيئا فإن الله غني عن العالمين.