ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة

رياض سعد

في البدء، كان المكان جرحاً في خاصرة الجغرافيا، ندبةً لم تندمل منذ أن مرّت عليها جيوش الغزاة كالريح السموم.. ,  تكريت … ؛ صارت في عهدهم الاسود لا  تشبه المدن العراقية القديمة إلا كما تشبه المرآةُ المكسورةُ وجهَ صاحبها؛ ترى فيه الملامح ذاتها، لكن مشوّهة ومبعثرة ومحمّلة بشيء من الغربة.

كانت تكريت آنذاك مدينةً معلّقة بين الأزمنة؛ يمرّ فوق حجارتها المغولي  والتتاري والتركي والعثماني والكردي والبدوي والجندي الهارب والتاجر الغريب والمتصوف المذعور، ثم  قد يمكثون أو يرحلون تاركين وراءهم طبقاتٍ من الخوف والعصبية والانغلاق.

وفي تلك الطبقات المتراكمة، كانت الهوية تُصنع مثل دخانٍ كثيف: لا شكل ثابتًا له، ولا رائحة يمكن الإمساك بها.

تكريت… تلك البقعة التي حملت في ترابها رماد الأمم الغازية، كأن الأرض نفسها كانت تعاقب من يسكنها بلعنة التعدد… ؛  مغول أحرقوا كل شيء إلا شهوة التدمير، وتتار أتوا من وراء البحار والصحاري والجبال ليستوطنوا القلوب قبل البيوت، وعثمانيون حملوا أحلام السلطنة المريضة على أكتاف العبيد والغلمان والسبايا والمرتزقة ، وأعاجم  وأكراد وتركمان لم يجدوا وطناً فصنعوا لأنفسهم هويات من غبار الطرق.

هناك، لم يكن الاسم مجرد اسم، بل قناعًا.

المدينة نفسها تحولت إلى لقبٍ يختصر الأنساب والجذور، حتى بدا الإنسان وكأنه ينتمي إلى جغرافيا مضطربة أكثر مما ينتمي إلى تاريخ واضح أو روح مستقرة.

هناك، حيث ألغى الانتساب للمدينة كل نسب، وصار “التكريتي” تذكرة عبور بلا جذور، بلا قبيلة، بلا تاريخ سوى الادعاء… ؛  كأنهم جميعاً هاربون من أسئلة الهوية، فاختاروا أن يكونوا ما ليسوا عليه.

نعم , كانت المدينة تسير بسيرة المدن الأعجمية الهجينة، مدن القوافل التائهة التي لا تعرف قبلةً ولا تنتمي لعرق… ؛ اذ كان الانتساب إليها يغني عن الانتساب للقبيلة والعشيرة والأجداد… ؛  فتكريتي لقبٌ يختصر الأصول والجذور، أو بالأحرى يخفيها، كما يخفي لقب الإسطنبولي أو البياتي أو الداغستاني أو الشيرازي أو الطهراني أصولَ حامليه خلف ستار المدينة الجديد او المنطقة القديمة .. ؛  إنه اسمٌ للنسيان، للانسلاخ، للوقوف عارياً على أطلال الهوية.. ,  اسمٌ أشبه بقناعٍ يُلبس على وجه رجلٍ لا يريد أن يُرى.

ثم جاءت الدولة العراقية الهجينة الحديثة بمشاريعها القومية الصاخبة، فأعادت طلاء الوجوه بلونٍ واحد، وطلبت من الجميع أن يتحدثوا بصوتٍ واحد، وأن يحلموا بالحلم ذاته، وأن ينسوا ما قبل ذلك.

وفجأة صار الماضي عبئًا ينبغي إخفاؤه، وصارت الهويات المتشابكة تُدفن تحت شعارات ضخمة تشبه اللافتات المعلّقة فوق المقابر.

نعم , جاء قرار التعريب كالسيف المسلول على رقبة الحقيقة… ؛  فجأة، وبقدرة قادر، تحول العثماني صاحب الطربوش، والعجمي صاحب السجادة، والكردي ابن الجبال البعيدة، والأجنبي الذي لا يعرف من العربية إلا صوت السياط – تحولوا جميعاً إلى عرب أقحاح!

فإذا بالمستعرب والمستعجم والغريب والدخيل يتحولون بين ليلة وضحاها إلى ابناء عدنان وقحطان !

كأنما الهوية قناع يلبس في الكرنفالات الوطنية… ؛  وتلك هي سخرية التاريخ: أن يصرخ الغريب: “أنا عراقي”، بينما أبناء العراق الحقيقيون يلتزمون الصمت …!!

فقد ادّعى الغرباء والدخلاء أنهم عراقيون قدماء، عركهم الطين نفسه، وشربوا من دجلة الأولى… ؛  كذبةٌ كبرى نُفخت فيها الروح حتى صارت عقيدة، وتحول الطفيلي إلى وريث شرعي للأرض العراقية .

حتى الديانة في هذا المكان كانت موضع شك وريبة كما وصفها البعض … ؛ اذ يروي البعض أنها كانت مقراً للنصرانية المتعصبة، تلك التي لا ترى في الآخر إلا عدواً… ؛  والبعض الآخر يهمس برواية أعمق وأشد غرابة: أن أهلها ينتسبون إلى جد أعلى أبى الدخول في الإسلام، وقاتل حتى قُتل أو انتحر، مفضلاً الموت على التسليم للإسلام … ؛  يدعى هذا الجد الأسطوري “عبد السطيع”، قيل إنه كان يهودياً، وقيل نصرانياً، المهم أنه كان كتابياً، لكن الحقد كان دينه الأول والأخير… ؛  لقد زرع في ذريته الروحية – إن لم تكن ذرية الدم – بذرة الرفض المطلق، لا رفض الإسلام وحده، بل رفض فكرة الانصهار والانتماء… ؛ ومعاداة الاغلبية الساحقة من ابناء الامة العراقية .

عبد السطيع… اسم يقف على حافة التناقض: عبد لمن؟ وأي سطيع هذا الذي يعبده؟ هكذا، ورث الأحفاد حقداً قديماً، كجين ميتافيزيقي ينتظر الظروف المناسبة لينفجر… ؛ ولعل مجزرة سبايكر ومئات المجازر التي سبقتها ؛ دليل دامغ على صحة هذا الرأي الذي تبناه البعض .

توارث هذا الحقدَ بعضُ أبناء المدينة من ذوي الأصول البعيدة، أولئك الذين ظلوا يحتفظون بطفرة الكراهية في جيناتهم كما يحتفظ البعض بمرض وراثي نادر… ؛  لقد تصاهروا وتلاقحوا فيما بعد مع موجات المهاجرين الأجانب والغرباء والدخلاء الذين قطنوا المدينة : المغول والتتار القادمين من سهول الموت، الشيشان والداغستان حاملي ندوب القوقاز، الترك والشركس وغيرهم الكثير… ؛  تلاقحوا كما تتلاقح الخمائر الفاسدة في عجين متروك للعفن، مما أسفر عن نشوء فئة هجينة، لا هي عراقية خالصة فتنتمي، ولا هي غريبة خالصة فترحل… ؛  فئة عالقة في المنطقة الرمادية بين الوجود والعدم، حاقدة على الأغلبية لأنها تمثل الانتماء الذي حرموا منه، حاقدة على الأمة العراقية لأنها المرآة التي تعكس تشوههم.

نعم , تزوجوا من بعضهم، وتصاهروا مع القادمين الجدد: شيشان هاربون من جبالهم، وداغستان لم يعودوا يعرفون لغتهم، وشركس يبحثون عن أرض تنسيهم جمالهم الضائع… ؛ فأنتجوا فصيلاً هجيناً، كائنات بلا بصيرة، بلا جذور، تحمل حقداً قديماً لا تعرف سببه.

لهذا السبب، حين تتأمل صبحة أم صدام، تجد الشبه صارخاً مفزعاً، كأنك تنظر إلى لوحة من العصر المغولي… ؛  ملامحها لا تكذب: عيون ضيقة كشقوق السكاكين، وجنتان عاليتان كأنما نحتتهما رياح السهوب، وقسمات تحمل عبء قرون من التيه… ؛  وحين تنظر إلى عزت الدوري، تجده أقرب إلى شيشاني هارب من جبال القوقاز منه إلى عربي ابن الصحراء… ؛ الجغرافيا محفورة في الوجوه، والتاريخ لا يرحم من يحاول تزويره… ؛ إنها الجينات تعترف حيث ينكر التاريخ.

لم تكتفِ تكريت بكل هذا القدر من التشويه وتغييب الهوية الوطنية الأصيلة، حتى ابتلاها الله بندوبٍ كثيرة ودماملَ تفوحُ قيحًا… ؛  فقد ضمّت جغرافيتها قريةَ العوجة.

والعراق لا يكذب أبناءه الأصلاء؛ فعندما أطلق على هذه القرية اسم «العوجة»، لم يطلقه اعتباطًا أو لأدنى مناسبة، كما يفعل عادةً مع مدنه وقراه التاريخية، وإنما أطلق هذا الاسم عليها ليكون اسمًا على مسمّى، وليحذّر أبناء الأغلبية والأمة العراقية من هذا البلاء القادم.

إلا أن تلك التحذيرات لم تُجدِ نفعًا، فقد سبق السيفُ العذل.

لقد قيل إن هذه القرية كانت تضم المطاريد والسلّابة والعصبجية ومجهولي الأصل والهوية، حتى إن بعض أهل تكريت أنفسهم كانوا يحتقرونها وأهلها، إذ عُدّت مأوى للشذاذ، ومقرًّا للهمج، ومكانًا للموبقات والجرائم، وقد عُرف بعض سكانها بالقسوة والعنف والانحطاط الأخلاقي.

ثم جاءت الليلة الشيطانية… ولد صدام في ظروف أشبه بطقس سحري أسود… ؛  قيل: إن المدعو حسين ذلك الزوج الشبح ؛ توفي قبل ولادته بسنوات، لا أشهر كما يدعى … ؛  وقيل: كان حسين مجنوناً يهذي في الأسواق والطرقات وقد بلغ من العمر عتيا …  , أي انه مجرد ظل عابر في حكاية أكبر منه ؛  وقيل: إن أصله مجهول، فنسبوه إلى رجل من الجنوب كذباً وافتراءً…؛ وقيل إن الغموض كان يحيط بميلاده كما يحيط الضباب بالمستنقعات … ؛ متاهة جينية لا أول لها ولا آخر .

لكن الحاقدين من أبناء تكريت، أولئك الذين يحترفون لعبة تزوير الأنساب، وعلى رأسهم المدعو إبراهيم الزبيدي – الذي يشبه المغول لاسيما رأسه المستدير وعيناه الغائرتان كحجرين في قاع بئر – أرجعوا حسين زوج صبحة إلى جنوب العراق!

إسناد وهمي لوهم أكبر، محاولة يائسة لخلق جذور في تربة طاهرة تلفظ كل شيء نجس وهجين .

في هذا المناخ المضطرب وُلد الطفل اللقيط الذي سيكبر لاحقًا حتى يصير كابوسًا بحجم وطن .

نعم , في هذه البيئة الهجينة، هذا المختبر السريالي الذي كانت تجري فيه تجارب خلط الدماء والضغائن، ووسط شذاذ الآفاق هؤلاء الذين لا يعرفون من الدنيا إلا ظلها المعتم، وُلد الطفل… ؛  وُلد في ظروف غامضة ومحاطة بالشبهة، وكأن الشيطان نفسه أشرف على ولادته!

وكأن الولادة لم تكن خروجاً من رحم، بل هبوطاً من جحر مظلم في جدار العالم السفلي .

وكان البيت الذي نشأ فيه أقرب إلى حفرةٍ نفسية منه إلى بيت؛ قسوةٌ وعنفٌ وإهاناتٌ يومية، ورجلٌ غليظ القلب يتعامل مع الطفل كما لو أنه خطأٌ ينبغي معاقبته لا إنسانٌ ينبغي احتضانه.

كبر الصبي وفي داخله شعورٌ دفين بأنه مطرود من العالم.

والطفل الذي لا يجد مكانًا آمنًا في قلب عائلته، يبحث لاحقًا عن وطنٍ كامل ليعوض فيه نقصه القديم.

كان يحمل داخله خوفًا هائلًا من الإهانة، ولذلك أحبّ السلطة مبكرًا.

فالسلطة بالنسبة للضعفاء نفسيًا ليست مسؤولية، بل درعًا ضد الذعر القديم.

هرب من طفولته إلى الشارع، ومن الشارع إلى العنف، ومن العنف إلى السياسة.

وكان كل انتقالٍ يبدو وكأنه سقوطٌ جديد في بئرٍ أعمق.

نعم , لقد نشأ ذلك المسخ الهجين في هذا البيت المأزوم … ؛  ذلك الكائن الذي تشكل من فائض التاريخ ورواسب الغزوات… ؛  نشأ في بيت زوج أمه، ربيب الشوارع المنحط، المدعو إبراهيم الزكلبي. و”الزكلبي” – كما ينقل النائب مشعان الجبوري – لقبٌ يطلق على أبناء الشوارع من الحثالة والساقطين… ؛  لقبٌ ليس كالألقاب التي تفتخر بها القبائل، بل وصمة عار تُلصق بمن لا أصل له ولا فصل، بمن تلتقطهم الأزقة والطرقات كما تلتقط البالوعات مياه االصرف القذرة.

كان إبراهيم فظاً غليظاً، قاسياً أرعن، لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه، قلبه الذي كان أشبه بصخرة صماء في قاع واد جاف… ؛  كان بعيداً كل البعد عن الأخلاق والقيم العشائرية العراقية الأصيلة، وعن المثل الإسلامية والإنسانية… ؛  لقد كان هو وأبناؤه أشبه بالوحوش الكاسرة، قطيعاً بشرياً لا يحكمه إلا قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف، والضعيف يحقد وينتظر.

نشأ المسخ الجديد في بيت إبراهيم الزكلبي… ذلك اللقب الذي يفضح صاحبه قبل أن ينطقه اللسان… ؛  الزكلبي: ابن الشوارع، وزير النساء , الحثالة، الساقط الذي لا يعرف القيم ولا الأخلاق… ؛  رجل غليظ كالصخر، قاسٍ كالشتاء، بعيد كل البعد عن الرحمة التي كانت ولا تزال سمة العراقيين الاصلاء .

هرب صدام من تلك المعاملة القاسية والعنيفة، من بيت زوج الأم الذي كان سجناً قبل أن يعرف العالم معنى سجونه هو.

هرب وولى هارباً بعد أن ارتكب عدة جرائم في تكريت رغم صغر سنه، وكأن الإجرام كان يتسرب إليه مع الحليب المغشوش الذي رضعته أمه.

كان يسرق الدجاج هو وأمه، اعترافٌ صغير بجريمة صغيرة، لكنه يكشف عن نواة اللصوصية التي ستكبر لتبتلع بلداً بأكمله… ؛ اذ يحكي جاره وصديقه إبراهيم الزبيدي أنه اعتدى على معلمه، أول تمرد على رمز المعرفة، أول ركلة في وجه الحكمة… ؛  ثم قتل أحد الأشخاص في تكريت، أول تذوق لطعم الدم، أول غرزة في نسيج القتل الذي سيصير هوايته الوحيدة.

كل هذا بتوجيه من خاله الشاذ المدعو خير الله، ذلك الرجل المعروف بارتباطاته الأجنبية المشبوهة، وبانحرافاته الجنسية وسلوكه الشاذ وفساده… ؛ ذلك الخال العجيب… خير الله طلفاح، الرجل الذي كانت انحرافاته الجنسية أكثر شهرة من جرائمه السياسية وسرقاته المالية .

 خير الله الذي تبنى رؤى منكوسة ومعكوسة وحاقدة على الأغلبية العراقية وعلى العراق، خير الله الذي اعترف في إحدى اللقاءات أنهم ليسوا عراقيين، وإنما جاءوا مهاجرين من مصر أو الشام!

اعتراف يختصر كل شيء، يلغي قروناً من التزييف في جملة واحدة.

انتقل الطاغية الصغير إلى بغداد، إلى بيت الخال المنحرف، فازداد انحرافه وفساده… ؛ كان الانتقال من هجنة المدينة الصغيرة إلى هجنة المدينة الكبيرة، من الانحراف المحدود إلى الانحراف اللامحدود… ؛  زاد انحرافاً وإجراماً وانحطاطاً، مما دفع الشاذ خيري إلى طرده من البيت لأكثر من مرة… ؛  لقد كان حتى منحرفاً فاشلاً في نظر منحرف آخر!

طُرد من الجحيم الصغير ليجد جحيماً أكبر… ؛ لكن بغداد – تلك المدينة التي ابتلعت كل الغزاة عبر التاريخ – فشلت في ابتلاع هذا الدخيل.

في بغداد، تلاقفته أحضان الأشقياء… ؛  لُقب بـ “دوحي”، لقبٌ يحمل في طياته رائحة الأزقة الخلفية والعلاقات المريبة… ؛  وكأنه كان ينتقل من حضن إلى حضن، من ظل إلى ظل، حتى نشأ وترعرع على هذا الأمر… ؛  وحين دخل في المنظومة الحكومية والسياسية فيما بعد، نصحه أحدهم بعدم التردد على أماكن اللواط وعدم إقامة علاقات مع المثلية كما كان يفعل سابقاً… ؛  ليست النصيحة دعوة للفضيلة، بل دعوة للتخفي، للتظاهر، لارتداء قناع الرجل السوي على وجه مختلف تماماً.

كانت تربيته، مزيجاً سريالياً من القسوة والتشرد والضياع وانعدام الأصل والهوية، فضلاً عن الشذوذ والانحراف والتغرب… ؛  كان كائناً مخبرياً، لقاحاً من كل علل النفس البشرية، حُقن في جسد العراق ليمرضه حتى الموت.

تم احتضانه من قبل عصابة البعث، تلك العصابة التي جاءت إلى بغداد بقطار أمريكي، كما اعترف بعض الرفاق لاحقاً باعترافاتٍ دفنوها تحت أكوام من الصمت… ؛  كان القطار رمزاً، فالقطارات لا تأتي إلا من بعيد، من مكان آخر، تحمل غرباء إلى محطات لا تخصهم.

في بغداد، المدينة التي كانت تبتلع القادمين إليها مثل بحرٍ من الإسفلت، تعلّم أن القسوة ليست عيبًا، بل وسيلة صعود.

هنالك التقطته الأيدي المعتمة؛ جماعاتٌ تتحدث عن الأمة بينما كانت تضمر الانتقام، وتصرخ بالحرية وهي تحلم بالسجون، وترفع الشعارات الكبيرة لتخفي هشاشتها الداخلية.

دخل الحزب كما يدخل الجائع إلى مطبخٍ مليء بالسكاكين.

كان البعث بالنسبة إليه أكثر من تنظيم سياسي؛ كان عائلةً بديلة، وأبًا حديديًا، ومسرحًا ضخمًا يستطيع فوقه أن يخفي الطفل المرتجف داخله.

ولهذا لم يكن يكره خصومه فقط، بل كان يكره كل من يذكّره بضعفه الأول: المثقف، وأبن العوائل , وربيب العشائر , والمحترم , والحر، والساخر، والحالم، وحتى الإنسان العادي الذي ينام بلا خوف… الخ .

وفي تلك التربية المريضة، جعلته أداة مثالية في يد المخابرات الأمريكية لتهديم العراق… ؛ فاحتضنته عصابة البعث – التي وصلت إلى بغداد في “قطار أمريكي” كما اعترف رفاقهم – وغذوه بالأفكار المريضة حتى كبر الوباء.

نعم ، في هذه النقطة بالذات، تدخلت اليد الخفية… ؛ المخابرات الأمريكية، تلك العين التي لا تنام، رأت فيه خير معول لتهديم ما تبقى من كيان الأمة العراقية والعراق… ؛  رأت فيه الأداة، الإزميل الذي سينقش شاهد القبر… ؛  لم يكن اختياره صدفة، بل كان تتويجاً لسنوات من التخطيط والبحث عن النموذج الأمثل: رجل بلا ماضٍ، بلا انتماء، بلا رادع، مليء بالعقد والأحقاد، قابل للبرمجة كجهاز كمبيوتر خاوٍ.

ثم جاءت لحظة التحول الكبرى: بعد محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم الفاشلة، هرب إلى مصر… ؛ وهناك، في القاهرة، أعيدت هندسة نفسه من جديد… ,  صُنع هناك كقنبلة موقوتة، كمخلوق شيطاني منكوس، يحقد على كل ما هو عراقي وأصيل.

نعم , تم إعداده إعداداً شيطانياً منكوساً… ؛  سنوات من البرمجة والتدريب والتشكيل، ليخرج في النهاية كائناً حاقداً على كل ما هو عراقي أصيل، مفعماً بفيروسات نفسية لا علاج لها… ؛  عاد إلى العراق كالقنبلة، عاد ليفجر كل شيء.

وحين اقترب من السلطة، بدأت عقده القديمة ترتدي بزّة الدولة.

تحول العراق شيئًا فشيئًا إلى غرفة تحقيق كبيرة.

صار الناس يتهامسون حتى داخل بيوتهم، وأصبح الخوف لغةً يومية أكثر شيوعًا من السلام.

كانت البلاد تبدو أحيانًا كأنها تعيش داخل رأس رجلٍ مصابٍ بالارتياب؛ الجميع متهمون، والجميع مراقَبون، والجميع مشاريع خيانة مؤجلة.

أما هو، فكان يتضخم كظلٍّ أسود فوق الجدران.

لم يعد يرى العراقيين شعبًا، بل مرايا؛ وكل مرآة لا تعكس صورته كما يريد، كان يحطمها.

نعم , بعد استيلاء هذه الشرذمة الهجينة على الحكم، انطلق صدام العميل والمريض بشتى أنواع العقد والفيروسات النفسية والاجتماعية لتنفيذ المخطط الإجرامي المنكوس… ؛ فقد حول العراق – جنة الدنيا وبلد النخيل والأنهار – إلى سجن كبير يئن فيه العراقيون من الوجع والألم على مدار الساعة.

وجعل من بغداد مثرامة بشرية كبرى، مفرمة ضخمة لا تتوقف عن الدوران، تطعم أسماك دجلة من أجساد العراقيين الطرية… ؛  النهر الذي كان يروي الحضارات صار مقبرة مائية، والأسماك صارت تألف طعم اللحم البشري…!!

وقد تحولت نبوءات الدمار إلى واقع… ؛ اذ  صار العراق سجناً كبيراً، وصار المجرم ليس مجرمًا عادياً، بل ظاهرة شيطانية تجعل من حجاج – ذلك المجرم الذي أرهق خيال العراقيين – يبدو طفلاً بريئاً!

نعم , لم يكن شاذاً أو مجرماً عادياً، لا .

 كان ظاهرة شيطانية منكوسة، حدثاً فلكياً معتماً في سماء البشرية والامة العراقية .

لقد جعلت جرائمه من ظاهرة المجرم الغريب الحاقد الحجاج – بكل بشاعتها – ظاهرة طبيعية إذا ما قورنت به… ؛  كان الحجاج يعذب ويقتل بدافع سياسي وطائفي ، لكن هذا كان يقتل بدافع وجودي، بدافع التفريغ، بدافع الانتقام من الحياة نفسها.

الحروب التي أشعلها لم تكن مجرد نزاعات سياسية، بل انفجارات نفسية لرجلٍ حاول أن يعالج شعوره القديم بالنقص عبر الدم والنار والاستعراض العسكري.

كان يحتاج دائمًا إلى عدو، لأن الطغاة يختنقون في أوقات السلام؛ السلام يجبرهم على سماع أصواتهم الداخلية.

وحين امتلأت البلاد بالمقابر والسجون والأرامل، لم يكن الخراب كافيًا لإيقاظ ضميره، لأن الإنسان حين يتماهى طويلًا مع السلطة يتحول تدريجيًا إلى كائنٍ لا يرى البشر إلا أرقامًا أو ظلالًا.

لقد كان نتاجًا مشوهًا لزمنٍ مشوه؛ طفلًا لقيطا مهشمًا حمل جراحه إلى قصر الحكم، ثم حاول أن يعالج خوفه الشخصي عبر إخافة وطنٍ كامل.

وهكذا، بدل أن يبني دولة، بنى جمهوريةً من الرعب والخوف .

وبدل أن يصنع تاريخًا، صنع ذاكرةً دامية ما زالت تمشي حتى اليوم في وجوه العراقيين، وفي صمت الأمهات، وفي المدن التي تعلمت أن تخاف من صور القادة أكثر مما تخاف من الحروب نفسها.

ذلك أن أخطر الطغاة ليسوا أولئك الذين يحبون السلطة فقط، بل أولئك الذين يحاولون عبر السلطة الانتقام من طفولتهم.

ثم تأتي المفارقة الكبرى… ، بعد كل تلك الأنهار من الدماء، بعد كل تلك الجثث التي لم تجد قبوراً، بعد كل تلك الأرواح التي ذهبت هباءً، يأتي منكوس أجير كالمدعو حسن العلوي ليختصر دمار العراق ودماء الضحايا العراقيين في جملة واحدة… ؛  جملة جاءت في سياق تمجيد المجرم صدام والترحم عليه، إذ قال بكل برود وصلافة : “إن الموت طريقة للعمل لدى صدام!”

اختزل الكارثة في جملة، حول الدم إلى حبر، والمجازر إلى مجرد أسلوب إداري… ؛  فالموت طريقة للعمل!

كأنه يتحدث عن خباز ماهر، أو نجار بارع، لا عن سفاح أباد شعباً… ؛ جملةٌ تختصر كل شيء: انعدام الضمير، تزييف التاريخ، الانتصار للجلاد… ؛ لقد حول القتل إلى وظيفة، والدماء إلى منظر طبيعي ، والضحايا إلى أرقام في دفاتر الجلادين.

هكذا، من رحم القرية المختلف على نسبتها، من تزاوج الغزاة والتائهين، من طفولة الشوارع وأحضان الأشقياء، من معسكرات التدريب وقطارات المؤامرات، خرج السفاح المجرم العميل صدام … ؛  خرج ليكتب بدماء الملايين سيرةَ رجلٍ لم يكن، وظل طوال حياته – وحتى بعد موته – مجرد سؤال بلا إجابة: من أنت؟ وإلى أين تمضي؟ وأي إله تعبد؟

سؤالٌ ظل يطارده، فكان يقتل كل من يجرؤ على طرحه.