لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي .. المانيا
إن معركة استرداد أموال العراق هي معركة وجودية مقدسة. ان اعتقال عدنان الجميلي وکيل وزير النفط العراقي (حوت النفط) هذا ليس سوى الطلقة الأولى لرئيس وزراء العراقي الجديد السيد علي الزيدي في هذه المواجهة الطويلة والممتدة مع السراق و والحرامية ، حتى يعلم كل من سولت له نفسه، أو تسول له مستقبلا، سرقة دينار واحد من أموال هذا الشعب الصابر، أن يد العدالة أصبحت طويلة، قوية وقاطعة، وأن زمن الإفلات من العقاب قد ولى إلى غير رجعة. ان القاء القبض على وكيل وزير النفط لشؤون التصفية، مجرد حدث عابر في شريط الأخبار اليومي، بل كانت مدوية، صاخبة، ومحملة بالدلالات السياسية والقانونية التي زلزلت أركان المشهد العراقي؛ إذ إن هذا الاعتقال المدعوم ببيانات مجلس القضاء الأعلى التي كشفت عن ضبط ملايين الدولارات، وعشرات العقارات، وأكداس من الذهب والسلاح، قد فتح الباب على مصراعيه امام تساؤل جوهري يشغل بال الشارع العراقي من أقصاه إلى أقصاه، هل نحن أمام بداية حقيقية جادة، ولا رجعة فيها لتفكيك شبكات الفساد، واستئصال شأفتها، واقتلاع جذورها التي تغلغلت في جسد الدولة على مدار سنوات طوال، أم أنها مجرد جولة مقتطعة من سياق ممتد؟ ان الإرادة السياسية في ميزان الاختبار الأول لحكومة رئيس الوزراء السيد علي فالح الزيدي، والتي لم تمضِ على نيلها ثقة البرلمان سوى أسابيع معدودات، تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة، حتمية، ومصيرية مع الدولة العميقة للفساد الإداري والمالي.التوقيت والرسالة جاء هذا التحرك الصارم، الذي نفذ بدقة وعناية، غداة التوجيهات الحازمة الصادرة عن رئيس مجلس الوزراء بتفعيل لجان مكافحة الفساد، وتدقيق العقود والصفقات المشبوهة المبرمة في الفترات السابقة. وهي رسالة واضحة، جلية . ولا لبس فيها مفادها أن العهد الجديد لن يقبل بالمهادنة، ولن يرضى بالمساومة على مقدرات الشعب. جاء اليوم قوة لتفكيك عروش النفوذ المستفيدة . إن النفط في العراق ليس مجرد مادة خام تستخرج وتباع، بل هو شريان الحياة الاقتصادي، وعصب الدولة الرئيس، والمال المغذي لجميع مفاصل البناء. وعندما تمتد يد المحاسبة والعدالة إلى قامة رفيعة في هذا القطاع الحيوي الحساس (إلى مسؤول يتربع على هرم شؤون التصفية ومصافي الشمال)، فإن الحكومة تبرهن -بالدليل القاطع والبرهان الساطع- على أنها لا تستهدف الصغار أو الهوامش، بل تضرب في العمق، وتستهدف الرؤوس الكبيرة، أو ما يعرَف في الوعي الجمعي العراقي بـ(الحيتان) إن الفساد في العراق لم يعد سلوكا فرديا منحرفا، بل تحول عبر السنوات إلى منظومة متكاملة، عابرة للقارات، وشبكة معقدة تتداخل فيها المصالح الحزبية بالفئوية. ولذلك، فإن تفكيكها يتطلب نفسا طويلا، وإطنابا في البحث والتحري، وملاحقة مستمرة لا تعرف الكلل ولا الملل، ولا تتوقف عند حدود جغرافية معينة.إن اعتقال وكيل وزير النفط يمثل حجر الأساس والاختبار الحقيقي لجدية الحكومة. فالشارع العراقي الذي عانى الويلات، وتجرع مرارة الحرمان، وشهد ضياع ثرواته المليارية في دهاليز المحاصصة، ينظر إلى هذه الخطوة بكثير من الأمل المشوب بالحذر والترقب. يرى المراقبون أن تلازم خطوات حصر السلاح بيد الدولة (والتي خطت فيها حكومة الزيدي خطوات لافتة مؤخراً) مع خطوات ضرب الفساد المالي، يمثل استراتيجية مزدوجة، متكاملة، تهدف إلى إعادة هيبة الدولة وبناء مؤسسات رصينة تخضع للقانون وحده. يدرك المراقبون للشأن السياسي أن الفساد في العراق محمي بـ مصدات سياسية و”توازنات حركية معقدة. وبالتالي فإن تحول هذه القضية إلى حملة شاملة و عامة ومستدامة تستأصل كل من تطاول على المال العام، يتوقف على مدى قدرة حكومة الزيدي على الصمود أمام الضغوطات الهائلة والمناورات الالتفافية التي ستحاول الحيتان الأخرى القيام بها للدفاع عن وجودها ومصالحها.