كرامة العراقي فوق الهراوة

رياض سعد

ليس العراقي رقماً في سجل، ولا جسداً يُدفع أو يُهان أو يُضرب كلما ضاقت الحلول وعجزت الإدارة عن الإصغاء… ؛  فالعراقي ابن أرضٍ علّمت البشرية معنى الدولة والقانون والكتابة، وحملت إلى العالم أولى شرائع العدالة… ؛  ومن كانت هذه جذوره الحضارية، لا يليق أن يُعامل بمنطق القوة الغاشمة أو الإذلال.

لقد أثبتت التجارب أن الإنسان قد يصبر على ضيق العيش وقسوة الظروف، وقد يتحمل شظف الحياة سنوات طويلة، لكنه قلّما يغفر الإهانة التي تمس كرامته… ؛  فالكرامة ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي جوهر إنسانية الإنسان، وأساس العلاقة السليمة بين المواطن والدولة.

ومن المؤسف أن تتكرر بين حين وآخر مشاهد استخدام العنف المفرط ضد بعض المتظاهرين أو المحتجزين أو المراجعين في بعض المؤسسات… ؛  فمثل هذه الممارسات، إن وقعت، لا تسيء إلى الضحية وحدها، بل تسيء إلى هيبة الدولة نفسها، لأن الدولة القوية لا تُقاس بقوة العصا، بل بقوة القانون وعدالة المؤسسات واحترام الحقوق.

إن الشعوب المتحضرة لم تصل إلى الاستقرار عبر الهراوات والسجون، بل عبر بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة… ؛  وحين يشعر المواطن أن كرامته مصونة، وأن القانون يحميه من التعسف، يصبح أكثر حرصاً على حماية الدولة واحترام النظام العام.

ولهذا فإن الحاجة باتت ملحة إلى مراجعة التشريعات والإجراءات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان، وتعزيز الرقابة القانونية على أداء المؤسسات العامة، وضمان المساءلة العادلة لكل من يثبت تجاوزه للقانون، أياً كان موقعه أو صفته.

كما أن تدريب منتسبي الأجهزة الأمنية وعناصر الشرطة على مبادئ حقوق الإنسان وأساليب فض التجمعات والتعامل مع المواطنين بطرق مهنية يمثل ضرورة وطنية لا يمكن تأجيلها.

إن بناء الدولة لا يبدأ من السلاح، بل من احترام الإنسان… ؛  ولا تُصان الأوطان بالخوف، بل بالعدالة… ؛  فكل صفعة تقع على وجه بريء هي جرح في وجه الوطن، وكل انتقاص من كرامة مواطن هو انتقاص من كرامة الدولة نفسها.

إن مسؤولية النخب الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام الحر لا تقتصر على إدانة الانتهاكات، بل تمتد إلى الضغط السلمي من أجل إصلاحات حقيقية وتشريعات واضحة تحمي المواطن، وتجرّم الاعتداء على كرامته، وتضمن أن تبقى مؤسسات الدولة خادمة للشعب لا متسلطة عليه.

فالعراق الذي أنجب الحضارات يستحق دولةً تُعامل أبناءه بالاحترام، ومؤسساتٍ ترى في المواطن شريكاً لا خصماً، وإنساناً لا هدفاً للعنف… ؛  وعندما تصبح كرامة العراقي خطاً أحمر لا يُمس، يكون العراق قد خطا خطوة كبيرة نحو الدولة التي يحلم بها أبناؤه جميعاً.