جديد

زيارة الأربعين: الملتقى العالمي الأكبر للعمل التطوعي والإنساني

بقلم : الأستاذ حسين شكران العقيلي

​تُعدّ زيارة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام إحدى أضخم التجمعات البشرية السنوية في العالم حيث يتقاطر عشرات الملايين من الزائرين نحو مدينة كربلاء المقدسة في لوحة فريدة من نوعها وإلى جانب كونها مظهراً عقدياً وروحياً عظيماً تمثل هذه المسيرة المليونية أكبر ممارسات العمل التطوعي المنظم والعفوي في التاريخ البشري متجاوزةً بذلك المفاهيم التقليدية للعمل التطوعي لتتحول إلى ثقافة مجتمعية متكاملة ومستدامة.
وتقام الكواكب الحسينية: نموذج فريد للتكاتف المجتمعي حيث ​تتجسد روح التطوع في أبهئ صورها من خلال المواكب والهيئات الخدمية التي تنتشر على طول الطرق المؤدية إلى كربلاء وتتميز هذه المواكب بكونها:
​مستقلة ذاتياً: يتم جمع التبرعات من قبل القائمين على المواكب وتُدار الجهود بتمويل ذاتي وجهد شعبي خالص دون تدخل من مؤسسات حكومية مركزية.
وايضا تكون ​شاملة للخدمات يث تقدم مجموعة متكاملة من الخدمات المجانية تشمل المأكل، والمشرب، والمبيت، والرعاية الصحية، وغسيل الملابس، بل وحتى صيانة الأجهزة والحقائب.
وتكون ​مفتوحة للجميع و تُقدَّم هذه الخدمات لكافة القادمين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية، أو العرقية، أو القومية، تجسيداً لقيم الإنسانية والعطاء المطلق.

تجليات العمل التطوعي في مسيرة الأربعين
​لا تقتصر أعمال التطوع في الأربعين على تقديم الطعام والشراب فحسب، بل تتسع لتشمل قطاعات حيوية واسعة:
​القطاع الصحي والإسعافاتي: يتطوع آلاف الأطباء، والممرضين، والصيادلة من داخل العراق وخارجه لتقديم الخدمات الطبية المجانية، وتوزيع الأدوية، وإدارة المفارز الطبية على مدار الساعة.
​التنظيم والإرشاد: يتولى متطوعون تنظيم حركة الحشود المليونية، وإرشاد التائهين، وتقديم المساعدة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
​خدمات النظافة والبيئة: تنشط فرق تطوعية شبابية ضخمة لرفع النفايات والحفاظ على نظافة الطرق والمدن طوال أيام الزيارة، مستلهمة روح الخدمة العامة.
​التوثيق والإعلام التطوعي: يعمل الصحفيون والمصورون وهواة التوثيق بشكل طوعي لنقل هذه الملحمة الإنسانية إلى العالم عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

​ الأربعينية كـ “يوم عالمي” للعمل التطوعي
​على الرغم من عدم وجود صفة رسمية دولية تربط أربعينية الإمام الحسين عليه السلام بيوم التطوع العالمي (الذي يصادف 5 ديسمبر من كل عام)، إلا أنها تستحق وبجدارة أن يُنظر إليها كـ نموذج عالمي ملهَم للعمل التطوعي، وذلك للأسباب الآتية:
​الاستدامة والعمق التاريخي: استمر هذا النموذج التطوعي لقرون طويلة وتوارثته الأجيال، متطوراً باستمرار دون أن يفقد جوهره القائم على البذل والإيثار.
​إدارة الحشود الضخمة: تقدم الأربعينية درساً عملياً غير مسبوق في كيفية إدارة حركة وتغذية وإيواء ملايين البشر في مساحة جغرافية وزمنية محدودة وبأعلى كفاءة تنظيمية شعبية.
​تعزيز السلم المجتمعي: يذوب المتطوعون في خدمة الآخرين متجاوزين الحواجز، مما يخلق بيئة من التلاحم والسلام النفسي والاجتماعي الفريد.
وختاما ​إن مسيرة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام ليست مجرد طقس ديني عابر، بل هي مدرسة كبرى للعمل التطوعي والإنساني، تتجسد فيها أسمى معاني التضحية وحب الخير للآخرين. إن توثيق ودراسة هذه الظاهرة كنموذج رائد للعمل التطوعي الجماعي يمكن أن يمنح المنظمات الإنسانية العالمية رؤى جديدة في إدارة الأزمات، وتقديم الخدمات، وتفعيل طاقات المجتمعات