مفهوم الميثاق (ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل)

د. فاضل حسن شريف

في تفسير أتباع أهل البيت يرتبط مفهوم الميثاق بالعهد الأزلي الذي أخذه الله تعالى على البشر في “عالم الذر”، وتُفسر آياته في القرآن الكريم على أنها إقرار بالتوحيد والربوبية مضافاً إليها الإقرار بـ “الولاية” (إمامة النبي وأهل البيت).يتضح هذا المفهوم من خلال المحاور التالية:1. الآية المركزية: آية الميثاقتُعرف الآية 172 من سورة الأعراف بـ آية الميثاق أو آية الذر، وهي قوله تعالى: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا” (الأعراف 172). 2. تفسير آل البيت للميثاق: “الربوبية والولاية” يرى مفسرو الشيعة الإمامية (مثل العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان) أن الله سبحانه وتعالى أخرج ذرية آدم من صلبه على شكل ذرات، وأودع فيهم العقل والإدراك وأشهدهم على وحدانيته.الإقرار بالولاية: تشير الروايات المروية عن أئمة أهل البيت إلى أن الله لم يأخذ الميثاق على الربوبية فحسب، بل أخذ الميثاق أيضاً على نبوة النبي محمد (ص) وإمامة الأئمة من بعده عليه السلام، وهو ما يُعرف بـ “ميثاق النبيين”.التزام المؤمنين:الموالون هم من وفوا بهذا العهد في ذلك العالم الغيبي قبل مجيئهم إلى الدنيا، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام .3 . عالم الذر ومصير الإنسان: أن الله سبحانه وتعالى خلق البشر في عالم يُسمى عالم الذر، حيث مُنح الإنسان العقل والاختيار لإثبات قابليته واستعداده للإيمان، وبناءً على ذلك الاختيار والميثاق الذي أُخذ منهم، قامت عليهم الحجة في الحياة الدنيا.4. الميثاق والولاية: أن حادثة “يوم الغدير” والبيعة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هي تجديدٌ وتوكيدٌ في عالم الشهود (الدنيا) لذلك الميثاق الأزلي المأخوذ في عالم الذر. وقد ورد في كتب الأدعية والزيارات (مثل دعاء يوم الغدير) إشارة واضحة إلى هذا المعنى: “الحمد لله الذي أكرمنا بهذا اليوم، وجعلنا من الموفين بعهده إلينا، وميثاقنا الذي واثقنا به من ولاية ولاة أمره”

جاء في الامثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَ قالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَ آتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَ آمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ وَ أَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ” (المائدة 12). التّفسير: لقد أشارت هذه الآية أوّلا إلى قضية الوفاء بالعهد، و قد تكررت هذه الإشارة في مناسبات مختلفة في آيات قرآنية عديدة، و ربّما كانت إحدى فلسفات هذا التأكيد المتكرر على أهمية الوفاء بالعهد و ذم نقضه، هي إعطاء أهمية قصوى لقضية ميثاق الغدير الذي سيرد في الآية (67) من هذه السورة “يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” (المائدة 67). و الآية في بدايتها تشير إلى العهد الذي أخذه اللّه من بني إسرائيل على أن يعملوا بأحكامه، و إرسالة إليهم بعد هذا العهد اثني عشر زعيما و قائدا ليكون كل واحد منهم زعيما لطائفة واحدة من طوائف بني إسرائيل الاثنتي عشر حيث تقول الآية الكريمة: “وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً” (المائدة 12).

جاء في الحديث (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل). وجاء في الحديث الشريف: يا جندل أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني اسرائيل، الائمة بعدي اثنا عشر. قوله عز وجل”ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا” (المائدة 12) عن ابن عباس وجابر الأنصاري قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم ان عدد الائمة بقدر عدد نقباء بني اسرائيل أولهم علي بن ابي طالب.

جاء في التفسير الوسيط لمحمد سيد طنطاوي: قال تعالى: “وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً” (المائدة 12). ولقد نفذ موسى عليه السلام ما أمره به ربه- سبحانه-، وكان مما قاله موسى للنقباء. عند إرسالهم لمعرفة أحوال سكان الأرض المقدسة: (لا تخبروا أحدا سواي عما ترونه). فلما دخل النقباء الأرض المقدسة، واطلعوا على أحوال سكانها. وجدوا منهم قوة عظيمة، وأجساما ضخمة.. فعاد النقباء إلى موسى وقالوا له- وهو في جماعة من بنى إسرائيل-: قد جئنا إلى الأرض التي بعثتنا إليها، فإذا هي في الحقيقة تدر لبنا وعسلا، وهذا شيء من ثمارها، غير أن الساكنين فيها أقوياء، ومدينتهم حصينة. وأخذ كل نقيب منهم ينهى سبطه عن القتال. إلا اثنين منهم، فإنهما نصحا القوم بطاعة نبيهم موسى عليه السلام وبقتال الكنعانيين معه. ولكن بنى إسرائيل عصوا أمر هذين النقيبين، وأطاعوا أمر بقية النقباء العشرة وأصروا على عدم الجهاد، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا في مصر أو في هذه البرية. وحاول موسى عليه السلام أن يصدهم عما تردوا فيه من جبن وعصيان وأن يحملهم على قتال الجبارين ولكنهم عموا وصموا. وأوحى الله تعالى إلى موسى أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض جزاء عصيانهم وجبنهم.

جاء في کتاب الحسين عليه السلام في مواجهة الضلال الأموي وإحياء سيرة النبي صلّى الله عليه وآله وعلي عليه السلام للسيد سامي البدري: وقوله تعالى: “وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً” (المائدة 12). يعتقد الشيعة تبعاً للرواية عن الأئمّة عليهم‌ السلام: أنّ الشهداء على الناس في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُو اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُو سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ” (الحج 78)، هم هؤلاء الاثنا عشر فقط، وقد جعلهم النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله عدلَ القرآن بقوله: (إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعِترتي أهل بيتي). وأنّ الآية الكريمة: “فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ” (الأنعام 89-90)، تشير إليهم وإلى وظيفتهم، والكفر بالرسالة هو رفضها أو تحريفها. لقد وكّل الله تعالى بدينه ورسالته بعد النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله هؤلاء الاثني عشر من أهل بيته، ليدافعوا عنها ويحفظوها في المجتمع إذا تعرّضت لتحريفٍ ماحِقٍ يستلزم بطلان حجّة الله تعالى على الناس. وعن التناظر التكويني بين الأئمّة من أهل البيت عليهم‌ السلام والأئمّة من بني إسرائيل يقول السيد البدري حفظه الله في كتابه: وقد شاءت حكمة الله تعالى أن يكون هناك تناظر تكويني بين الأئمّة من أهل البيت عليهم‌ السلام والأئمّة من بني إسرائيل: فجعل الله تعالى الأئمّة من أهل البيت عليهم‌ السلام اثني عشر، نظير جعل الأئمّة من بني إسرائيل بعد موسى اثني عشر، قال تعالى: “وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً” (المائدة 12). وقد أكّد النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله هذه المقارنة حين سُئل عن عدد الأئمّة من بعده، قال: (عدّة نقباء بني إسرائيل اثني عشر، لا يضرّهم مَنْ عاداهم). وجعل أغلب أوصياء محمّد صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله من ذرّية أخيه ووزيره وأوّل أوصيائه علي عليه‌ السلام، نظير جعله أغلب أوصياء موسى عليه‌ السلام بعده في ذرّية أخيه ووزيره هارون عليه‌ السلام، وهم (آل هارون).

قوله تعالى “ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم” (النساء 154) الباء للسبب، وهو العهد الذي أخذه موسى عليهم أن يعملوا بالتوراة، وفي الكلام حذف، أي بنقص ميثاقهم. وعيسى عليه السلام من رسل أولي العزم الذي أخذ الله ميثاقهم “وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا” (الأحزاب 7). جاء في تفسير الميسر: و”وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا” ﴿النساء 154﴾ ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكد الذي أعطوه بالعمل بأحكام التوراة، وأمرناهم أن يدخلوا باب (بيت المقدس) سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبت فاعتدَوا، وصادوا، وأخذنا عليهم عهدًا مؤكدًا، فنقضوه